وَحُبُّ اللهِ مُـرَادِي…

Home كتابات صوفية الْقَصص الصّوفي وَحُبُّ اللهِ مُـرَادِي…

وَحُبُّ اللهِ مُـرَادِي…

عَنْ أحـمدَ بنِ سعيدٍ العَابِد عَن أبيه قال:

“كانَ عندنا بالكوفة شابٌ مُتَعبِّدٌ، لاَزَمَ الـمَسجدَ الـجَامعَ، لاَ يَكادُ يُفَارقُهُ، وَكَانَ حَسَنَ الوَجهِ، حَسَنَ القَامَة، حَسَنَ السَّمتِ (الهيئة).

فَنَظَرَتْ إليه امرأةٌ ذَاتُ جَمَالٍ وَعَقلٍ، فَشُغِفَتْ بِه وَطَالَ عَليهَا ذلك.

فَلَمَّا كَانَ ذَات يومٍ، وقفتْ لَه على الطريق وهو يُريدُ المَسْجدَ فَقَالَتْ لَهُ:

– يَا فَتًى، اسْمَعْ مِنِّي كَلماتٍ أُكلِّمُكَ بِهَا ثُمَّ اعملْ مَا شِئتَ.

فَمَضَى وَلَمْ يُكَلِّمهَا.

ثُمَّ وَقَفَت له بَعدَ ذلك على طريقِه وهو يُريد مَنْزِلَهُ.

فقالت له :

– يَا فَتَى، اسْمَعْ مِنِّي كَلماتٍ أُكلِّمُكَ بِهَا.

فَأطرقَ مَليًّا وَقَالَ لَهَا :

– هَذَا مَوقِفُ تُهْمَةٍ، وَأَنَا أَكْرَهُ أنْ أَكُونَ للتُّهمَةِ مَوضِعًا.

فَقَالَت له

– وَاللهِ، مَا وَقَفْتُ مَوقِفِي هَذَا جَهَالةً مِنِّي بِأَمْركَ، وَلكنْ مَعَاذَ اللهِ أنْ يَتَشَوَّفَ العِبَادُ إلَى مِثلِ هَذَا مِنِّي. وَالذي حَمَلني عَلى أنْ لَقيتُكَ فِي مِثلِ هَذَا الأمْر بِنَفْسي مَعْرِفَتِي أنَّ القَليلَ من هذَا عندَ النَّاسِ كَثِيرٌ، وأنتم مَعَاشِرُ العُبَّادِ على مِثَال القَوارير، أَدْنَى شيءٍ يُعيبُها. وَجُملةُ مَا أقول لَكَ إنَّ جَوارِحِي كُلُّهَا مَشغولةٌ بكَ، فَاللهَ اللهَ (أي اتق اللهَ) في أَمْري وأمْرِكَ.

قَالَ فَمَضى الشّابُّ إلى مَنِْزله، وَأَرادَ أنْ يُصلِّي فَلمْ يَعقلْ كَيفَ يُصلِّي.

فَأَخَذَ قرطاسًا وَكَتَبَ كتابًا. ثُمَّ خَرَجَ منْ مَنزِلِهِ وإذَا بالمرأةِ واقفةٌ فِي مَوضِعِهَا، فَألقَى الكتابَ إليهَا وَرجَعَ إلى مَنْزِلِهِ. وَكَانَ فيه:

ثُمَّ بَكَتْ بُكَاءً شَديدًا وَقَالَتْ:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعْلَمِي أيَّتهَا المرأة أنَّ الله عزَّ وجلَّ إذَا عَصَاهُ العبدُ حَلُمَ (أي كان معه حليمًا)، فَإذَا عَادَ إلى الَمعصيةِ مرَّةً أُخرَى سَتَرهُ، فإذا لَبسَ لَهَا (أي المعصية) مَلاَبسَهَا غَضِبَ الله تعالَى لِنفسهِ غضبةً تًضيقُ مِنهَا السَّمَواتُ والأرضُ والـجِـِبالُ والشَّجرُ والدَّوابُ.

فَمنْ ذَا يُطيقُ غَضبَهُ؟ فإنْ كَانَ مَا ذكرتِ بَاطلاً فإنِّي أُذكِّرُكِ يومًا تَكُونُ السَّماءُ فِيه كَالـمُهْل (الرَّصاص) وتَصِير الجِبالُ كالعِهْنِ (الصُّوف المنفوش) (سورة المعارج،الآية 8 -9) وتَجْثُو الأُمَمُ لصَوْلَةِ الجَبَّار العَظيم. وَإنِّي واللهِ قَدْ ضَعُفُت عَن إصْلاَحِ نَفْسِي فَكيفَ بإصلاح غَيري؟

وَإنْ كَانَ مَا ذَكرتِ حَقًّا فَإنِّي أَدُلُّكِ عَلَى طَبيبِ هُدًى يُدَاوي الكُلُوم (الـجُروح) الـمُمْرِضَةِ وَالأَوجَاع الــمُرْمِِضَة (المُزْمِنَةِ) ذَلكَ اللهُ ربُّ العَالَمِين. فاقْصُدِيهِ بِصْدقِ الـمَسْألة (أي الدُّعَاء) فَإنِّي مَشغُولٌ عنكِ بِقولِه اللهِ تعالى: “وَأَنْذِرْهُمْ يَومَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا للظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفَيعٍ يُطاَعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ”.(غافر 18-19) فَأَينَ الَمَهْرَبُ منْ هَذه الآيةِ؟

ثُمَّ جَاءَتْ بَعدَ ذَلكَ بِأيَّامٍ فَوَقَفَتْ لَه على الطَّريق. فَلَمَّا رَآهَا مِنْ بَعِيدٍ، أَرَادَ الرجوع إلى مَنْزِلِهِ كيلاَ يَرَاهَا.

فَقَالت:

– “يَا فَتَى، لاَ تَرجِعْ فَلاَ كَان الـمُلْتَقَى (أي ليس هناك لقاءٌ) بَعدَ هذَا اليوم أبدًا إلاَّ غدًا بَينَ يَدَيْ اللهِ تَعالَى”.

ثُمَّ بَكَتْ بُكَاءً شَديدًا وَقَالَتْ:

– أَسْأَلُ لَكَ اللهَ الذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ قَلبكَ أنْ يُسَهِّلَ مَا قَدْ عَسُرَ مِنْ أَمْرِكَ”

ثُمَّ إنَّهَا تَبعتْهُ وَقَالَتْ:

– امْنُنْ (أي تكرَّمْ) عَلَيَّ بِمَوْعِظَةٍ أَحْمِلُهَا عَنْكَ وَأَوصِنِي بِوَصيَّةٍ أعمَلُ عَلَيهَا.

فَقَالَ لَهَا:

– أُوصِيكِ بِحِفظِ نَفْسِكِ مِنْ نفسكِ، وَأُذكِّرُكِ قَولَهُ تَعَالَى:”وَهوَ الذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللّيلِ وَيَعْلَم مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ” (الأنعام، 60).

قَالَ فَأطرقَتْ وَبَكَتْ بُكاءً شديدًا أشدَّ من بُكائِهَا الأَوَّل ثُمَّ إنَّهَا أَفَاقَت وَلَزِمَتْ بَيتَهَا وَأخَذَتْ في العِبَادَةِ فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلكَ حَتَّى مَاتَتْ كَمَدًا.

فَكَاَنَ الفَتَى يَذكُرهَا بَعدَ مَوتِهَا ثُمَّ يَبكِي.

فَيُقَالُ لَهُ:

– مِمَّ بُكاؤُكَ وَأَنتَ قَد أيْأَسْتَهَا مِن نفسِكَ؟ فيقول

– إنِّي قَد ذَبَحْت (أي قطعت) طَمَعَهَا فِي أوَّلِ أَمرهَا وَجَعلت قَطِيعَتَهَا ذَخِيرَةً لي عند الله تعالى، فأنا أسْتَحي مِنهُ أن أَستردَّ ذَخيرةً ادَّخرتُهَا عِندَه تَعَالَى (أي أستحي أنْ أُعوّلَ على عَمَلي وعفافي مع هذه المرأة يوم القيامة)”.

الشيخ محمد المدني يتحَدّث عن الَقدَر

"عَلَى العاقِل إلاّ أن يَعترفَ بإحاطة القَدَر بِكُلّ فعلٍ من أفعال البَشَر، وتلكَ حكمة الله في خلقه لجميع الكائنات، قامَ بها ناموس الوجود، فَجَعل الخلقَ قِسمَين: مُمْتَثلٍ للمَأمورات، ومُرتَكب للمَنهيات، ليَكون الجزاءُ نَوعَيْن: نَعيمٌ وعقابٌ و﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ...

الأصول الدينية في شرح الرّسالة العلاويّة في البعض من المسائل الشّرعيّة

تمهيد في العشريّة الأولى من القَرن العشرين، نَظَم الشّيخ أحمد العلاوي (1869-1934) قصيدةً تتألّف من أَلفِ بيتٍ، على بَحر الرَّجَزِ، وسَمّاها : “الرّسالة العلاويّة في البعض من المسائل الشّرعيّة “. وكان الغَرَضُ منها ذكرَ أهَمّ...

الشيخ سيدي محمد المدني يذاكر في تَربية الصغار على مَجالس الذكر

أحْضروا الصِّغَـارَ، في مَجالسِ الذِّكْر والتَّعليم 1. "أمَرَ الشّيخ (العلاوي) بإحضارهم، أي: أحْضروا الصِّغَـارَ، في مَجالسِ الذِّكْر والتَّعليم، لِيَتَعلّمُوا الآدابَ كُلَّهَا، كالحَياء لأنّه خير كلّه وهو من الإيمان، والمُروءَةَ، وهي من أفضل زينةِ الإنْسان،...

المولد النبوي لابن عاشور

1- الحَمدُ للهِ الذي أطْلعَ للنَّاسِ في ظُلمَة الضَّلالَةِ بدرَ الهُدى، وبلَّ بِغَيْثِ الرَّشادِ المُحَمَّدِيِّ ما لَحِقَ طينَةَ قُلوبِهم مِن صَدَا، ورَفعَ قَدْرَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وأعْلَى مَقامَه، وبعثَهُ رَحْمَةً للعالمين في الدُّنْيا وَعَرَصاتِ القِيامَة، وأمرَ...

شَرْح حَديث حَنظلَة: ساعَةٌ وساعَة

[ar]الشيخ محمد المدني[fr]Cheikh-al-Madani نَتشرَّف بتقديم رسالة اللحظة المُرْسَلَة على حديث حَنظَلَةَ، رَضيَ الله عنه، وفي هذا الكتاب الذي ألَّفَه الشيخ سيدي محمد المدني، قَدَّسَ الله روحَه، يظهَر علمه الجمّ في مَجال الحديث روايَةً وشرحًا ودرايةً. كما تظهر رقة أفهامه...

مختارات مدنية

[:fr]تهدفُ هذه المُختارات إلى إعْطاء صورَةٍ صادقة، وهذه وَظيفة المُختارات، عن عُمق الرّجل وأصالة مُقارَبَته، ومن ثَمَة إلى الحَثّ على مُطالَعَة سائر ما كَتَبَ والعودَة إلى رصيدِهِ الثّري الذي يتوزّع على ما يقارب الخَمسَةَ عَشرَ تأليفًا، شَملت كافّة فروع المَعرفة الإسلاميّة.
وبما أنّ هذا التُّراثَ لم يُترْجم بَعدُ إلى الفرنسية،[:]

ديوان أنيس المريد في التصوف والتوحيد

ديوان أنيس المريد في التصوف والتوحيد في ثنايا هذا الدّيوان الشعريّ نَفحاتُ رَجلٍ عالم عاملٍ، أراد أن يبثّها في قوالِب القريض وصيغ البيان. وليس الشأن في أساليبالتعبير عن هذه النفحات ولا فيما تضمّنَته من الأفكار الفَرعيّة، وإنما في...