القَوْلُ النَّدِيُّ في مَعنَى أمنِيَّةِ النَّبِيّ

Home مؤلفات الشيخ سيّدي محمد المدني المذاكرات القَوْلُ النَّدِيُّ في مَعنَى أمنِيَّةِ النَّبِيّ

بسم الله الرَّحمَن الرَّحيم

القَوْلُ النَّدِيُّ في مَعنَى أمنِيَّةِ النَّبِيّ [[هذا العنوانُ مِن اقْتِرَاح المُحَقِّقِ. ]]

” وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى…إلى قوله تعالى: عذابٌ مُهينٌ ”

1. يَقولُ المُفتَقِرُ إلَى مَولاهُ، مَن كَثُرَت مَساويه وخَطَايَاهُ، العَبدُ الضَّعيفُ المُحتَقَرُ، مُحَمَّدُ بنُ خَليفَةَ، بنُ الحاج عُمَرَ: أَحمَدُ اللهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأنَزِّهُ رَسولَهُ عَن كلِّ إخلالٍ، وَأَصَلِّي وأسَلِّمُ عَلَيْه، الإمامِ المُبين وعَلَى آلِهِ وأَصحَابِهِ أَجمعين.

2. وبَعدُ، فإنِّي أَحبَبْتُ أَنْ أُضَافَ لأَهل العِلْم وإنْ كُنتُ لَست مِن ذَوي الفَهْم، لذلكَ كَتبت مَا لاَحَ لِي في قَولِهِ، تَعَالَى: ” ومَا أَرسلنَا قَبلكَ من رَسولٍ، ولاَ نَبيء إلا إذا تَمَنَّى ألقَى الشيطان في أمنيته… إلى قوله عذاب مهين ” [[الآيات بتمامها: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)، سورة الحجّ، 52.-57]] .

3. وقَد اضطَرَبَ في ذَلكَ العلماءُ الأَعْلاَمُ والجَهابِذَةُ الفِخَامُ، فَمنهمْ مَن قَالَ: إنَّ مَعنى قَوله، تعالى، تَمَنَّى زَوَّرَ النبيُ في نفسه حديثًا من أمور الدنيَا، ولاَ يَخفَى مَا فيه من الإسَاءَةِ، وقَائلُه هو البَيْضَاويُّ . ومِنهم مَن قَال: مَعنَى قَوله تَمَنَّى قَرَأَ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ، والذي حَمَلَهُم عَلَى ذَلكَ هو ما نُسِبَ للنبيء، صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم، من أنَّهُ لَمَّا قَرَأَ: ” ومَنَاةَ الثالثة الأخْرَى [[راجع تفسير البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، الجزء الرابع، ص. 58. ]] ” أَلقَى الشيطانُ عَلَى لسانِه: ” تلكَ الغَرانيق العُلَى وإنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَترتجى [[سورة النجم، الآية 20.]] “، وقَد طَعَنَ في ذلك كثيرٌ من الفُحول، وَرَدُّوهُ بِجَميع الوجوهِ، المَنقُولِ والمعقول.

4. وإنِّي قَد تَوَخَّيْتُ ذَلكَ كُلِّهِ وَأَخَذْتُ بِعُمُومِ اللَّفظ، لاَ بخصوص المَورد، وأَوضَحتُهَا بمَا يُزيلُ الالتباسَ ويَرفَعُ عَن القلوب الوَسوَاسَ.

5. قُلتُ، وعَلَى الله تَوَكَّلتُ: يَعني: اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ، واقْتَدِ بِمَنْ قَبلَكَ مِن الرُّسلِ، فإنَّنَا لَمْ نُرسِلْ رَسولاً، ولاَ نَبيئًا إلاَّ إذَا تَمَنَّى، أي الإحالة كَونه يَتَمَنَّى هدايَةَ قومه إلى دينه،

6. والمقصودُ، والله أعْلَمُ، أنَّ الرَّسولَ لاَ بُدَّ أنْ يَكونَ مُتَّصِفًا بالحِرْص عَلَى هدايَة أُمَّتِهِ، لأنَّهُ يَلزَم من تَمَنِّي العَبد للشيء أنْ يَكون حريصًا عَلَيه، وقَدَ كَانَ حَبيب الله تعالى، صَلَّى الله عَليه وسلَّم، أشَدَّ الرُّسلِ حرصًا عَلَى قَومه، حتى إنَّه يَنقَبض عندَ امتناع أحَدِهم من الإسلام، قَالَ تَسليةً له: “وَمَا أَرسلنَا الآية.. أيْ فَاصْبِر ولاَ تَضْجَرْ، فإنَّ ذَلكَ شأْنُ الرُّسل، عَلَيهم الصَّلاَة والسَّلامُ.

7. وقَولُه: ” أَلقَى الشَّيطانُ في أمنيته ” هُو مَاضٍ فِي مَحَلِّ المُضَارع: فَيلقي والأمنية مرادفةٌ للمُنْيَة، وهيَ مَا َيتَمَنَّاه العَبد، فَيصيرُ الكَلاَمُ: فَيُلقي الشَّيطَانُ وَسَاوسَه فيما يَتَمَنَّاه الرسول، والذي يتَمَنَّى الرَّسولُ هو هداية قومه إلى دينه. ولا شكَّ أنَّ الشَّيطانَ يَأتي عند ذلكَ بِجنوده فيلقي حبالَ وَسوَسَته كَيْ يضلَّ القَومَ عَن الهداية حتَّى يَقَعَ لِبَعْضِهم شَكٌّ، وبَعضهم يَعرضُ عَن الإسلاَم رَأسًا، وبَعضهم يَتَرَقَّى لدرجَة عِبادَةِ الأوثان، والبَعض الآخرُ لَم تُؤَثِّر فيه الوسوسة فَيَنسَخُ اللهُ مَا يلقيه الشيطان من قلوبهم حيث أرَادَ هدايَتَهم، ثمَّ يُحكمُ آياتِه تَثبيتًا لَهم والله عليمٌ حَكيمٌ.

8. وهِي جُملَةٌ مُعتَرضَةٌ لتثبيت حكمته تعالى وعِلمِه بذلك، وقَوله: ” لِيَجْعَلَ ” صلةٌ لِقَوله: ” ألقى الشّيْطَانُ ” أيْ يُلقِي الشَّيطَانُ وَسَاوِسَهُ كَيْ يَجعلَ مَا يلقيه فتنةً ومِحنَةً للذين في قلوبهم مَرَضٌ أي شكٌّ بحيث لم يَقطَعُوا بالصِّدق، ومحنة أيضا للقاسية وهم الذين أعرَضُوا عن الإيمان بالنبيّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأما الذين بَلغوا دَرَجَةَ عبادة الأوثان فَقَد قَالَ في حَقِّهم: ” وإنِ الظَّالمين لفي شقاق بَعيد [[الحج، 53.]] ” أيِ المُشْرِكينَ لَفِي خِلاَفٍ بَعيدٍ مَعَ النَّبيء، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَيف لاَ وهو يَدعوهم لتوحيد الله، جَلَّ وعَلاَ، ويُقيمُ عَلَيْهِم الحُجَجَ البَاهِرَةَ، وَهُمْ مُعْرِضونَ غَايَةَ الإعراض، وَلَم يَكْفِهم ذَلكَ حَتَّى أنَّهم اتَّخَذُوا الأصنامَ آلهَةً، فَعَبَدُوا الأوثانَ وتَوَجَّهُوا للصُلبَان، وقَد قَالَ في حَقِّهم: ” إنَّ اللهَ لاَ يَغفرُ أنْ يُشرَكَ بِه [[سورة النساء، 48، 116.]] “.

9. وقَولُه: ” وَليَعلَمَ ” علَّةٌ لقولِه: فَيَنسَخ وَيُحكم معًا، أَيْ يَنسَخ مَا يلقيه الشيطانُ ويُحكمُ اللهُ آيَاتِهِ لِيَعلَمَ الذين أوتوا العلمَ وتوحيدَ الله، تَعَالَى، أَنَّه الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ فَيؤمنوا به فَتُخبِتَ لَه قُلوبُهم أيْ فَتَطمَئِنَّ قُلوبُهم لَه فَضلاً منَ اللهِ وَرحمَةً لَهم ولذلك قالَ: ” وإنْ اللهَ لَهَادي الذين آمَنُوا إلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ [[الحج، 54]] “، والصِّرَاط المستقيم هو الإيمان بما جَاءَ بِه، صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ.

10. ” وَلاَ يَزَال الذين كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنْه [[الحج، 55.]] ” أَيْ يَشْتَدُّ شَكُّهُم، وَيَتَقَوَّى كُفْرُهُم حَتَّى تَأتيهم السَّاعَة بغتَةً بدون تَهَيّءٍ لَهَا، أَو يَأتيهِمْ عَذَابُ يَومٍ عَظيمٍ، لاَ فَائِدَةَ لَهم فيه ولا منفعَةَ لَدَيه، بَل لَهم العَذابُ العَظيم وقوة نار الجَحيم، والمُلْكُ يَومَئِذٍ لِله، “يَحكم بَيْنَهُمْ” أي بَينَ المُؤمنينَ والكَافرينَ، فَيُجَازي كُلاًّ بما يُنَاسِبُهُ، فالَّذينَ آمَنوا وَعَملوا الصَّالحَات في جَنَّاتِ النَّعِيمِ، كَيفَ لاَ وَنَعيمُهُمُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللهِ الكَريم، ” وَالذين كَفَرُو وَكَذَّبُوا بآياتنَا فأولئك لهم عذاب مُهينٌ [[الحج، 57.]] ” وذلك هو جَزَاء القوم الخاسرينَ.

11. حَفِظَنَا اللهُ وجميعَ المؤمنين بِحُرمَةِ مَن قَالَ في حَقِّه: ” وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ [[القلم، 4.]] ” وَبِالمُؤمنينَ رَؤوفٌ رَحيمٌ [[التوبة، 128. ]] “، عَلَيْه أَفضَلُ الصَّلاَةِ وَأَزكَى التَسليمِ، وَعَلَى آلِهِ وَأصحابه ذَوي القَدر العَظيمِ، والفَيْضِ العَميمِ. اهـ.

الشيخ محمد المدني يتحَدّث عن الَقدَر

"عَلَى العاقِل إلاّ أن يَعترفَ بإحاطة القَدَر بِكُلّ فعلٍ من أفعال البَشَر، وتلكَ حكمة الله في خلقه لجميع الكائنات، قامَ بها ناموس الوجود، فَجَعل الخلقَ قِسمَين: مُمْتَثلٍ للمَأمورات، ومُرتَكب للمَنهيات، ليَكون الجزاءُ نَوعَيْن: نَعيمٌ وعقابٌ و﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ...

الأصول الدينية في شرح الرّسالة العلاويّة في البعض من المسائل الشّرعيّة

تمهيد في العشريّة الأولى من القَرن العشرين، نَظَم الشّيخ أحمد العلاوي (1869-1934) قصيدةً تتألّف من أَلفِ بيتٍ، على بَحر الرَّجَزِ، وسَمّاها : “الرّسالة العلاويّة في البعض من المسائل الشّرعيّة “. وكان الغَرَضُ منها ذكرَ أهَمّ...

الشيخ سيدي محمد المدني يذاكر في تَربية الصغار على مَجالس الذكر

أحْضروا الصِّغَـارَ، في مَجالسِ الذِّكْر والتَّعليم 1. "أمَرَ الشّيخ (العلاوي) بإحضارهم، أي: أحْضروا الصِّغَـارَ، في مَجالسِ الذِّكْر والتَّعليم، لِيَتَعلّمُوا الآدابَ كُلَّهَا، كالحَياء لأنّه خير كلّه وهو من الإيمان، والمُروءَةَ، وهي من أفضل زينةِ الإنْسان،...

المولد النبوي لابن عاشور

1- الحَمدُ للهِ الذي أطْلعَ للنَّاسِ في ظُلمَة الضَّلالَةِ بدرَ الهُدى، وبلَّ بِغَيْثِ الرَّشادِ المُحَمَّدِيِّ ما لَحِقَ طينَةَ قُلوبِهم مِن صَدَا، ورَفعَ قَدْرَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وأعْلَى مَقامَه، وبعثَهُ رَحْمَةً للعالمين في الدُّنْيا وَعَرَصاتِ القِيامَة، وأمرَ...

شَرْح حَديث حَنظلَة: ساعَةٌ وساعَة

[ar]الشيخ محمد المدني[fr]Cheikh-al-Madani نَتشرَّف بتقديم رسالة اللحظة المُرْسَلَة على حديث حَنظَلَةَ، رَضيَ الله عنه، وفي هذا الكتاب الذي ألَّفَه الشيخ سيدي محمد المدني، قَدَّسَ الله روحَه، يظهَر علمه الجمّ في مَجال الحديث روايَةً وشرحًا ودرايةً. كما تظهر رقة أفهامه...

مختارات مدنية

[:fr]تهدفُ هذه المُختارات إلى إعْطاء صورَةٍ صادقة، وهذه وَظيفة المُختارات، عن عُمق الرّجل وأصالة مُقارَبَته، ومن ثَمَة إلى الحَثّ على مُطالَعَة سائر ما كَتَبَ والعودَة إلى رصيدِهِ الثّري الذي يتوزّع على ما يقارب الخَمسَةَ عَشرَ تأليفًا، شَملت كافّة فروع المَعرفة الإسلاميّة.
وبما أنّ هذا التُّراثَ لم يُترْجم بَعدُ إلى الفرنسية،[:]

ديوان أنيس المريد في التصوف والتوحيد

ديوان أنيس المريد في التصوف والتوحيد في ثنايا هذا الدّيوان الشعريّ نَفحاتُ رَجلٍ عالم عاملٍ، أراد أن يبثّها في قوالِب القريض وصيغ البيان. وليس الشأن في أساليبالتعبير عن هذه النفحات ولا فيما تضمّنَته من الأفكار الفَرعيّة، وإنما في...