آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » الشيخ حياته وآثاره » مؤلفات الشيخ سيّدي محمد المدني » القصائد » سَيّدي مُحَمَّد المَدني يرثي شَيخَه سيدي أحمد العلاوي 1934 رحمهما الله

سَيّدي مُحَمَّد المَدني يرثي شَيخَه سيدي أحمد العلاوي 1934 رحمهما الله

D 28 سبتمبر 2012     H 22:48     A المدني    


agrandir

في يوم 14 جويلية 1934 وَرَدَ نَبَأ انتقال العارف الرباني سيدي أحمد العلاوي إلى الرفيق الأعلى.

وتروي أمّنَا الحاجة، زوجة سَيّدي محمد المدني، ما انتاب الشيخ يومَها من شدَّة الأحزان وغلبة الأشْجان. وفي أيام المأتم تلكَ، أهدى له أختام القرِآن وذَبَحَ الشاءَ وأطعم الفقراء. ومنذ ذلك التاريخ دَأبَ الشيخ على إهدائه أختامَ القرِآن كل رمضان وفاءً وَولاءً.

وفي تلك الايام الحزينة نَظَمَ هذه المَرْثِيَّةَ الرائعة التي تنبئ عن حُبّه لشيخه. وفيها تبدو شاعريّتُه المُرهَفَة وحَساسِيَتُه المفرطة. وفيها ذكرٌ لجملة من مَناقب سَيدي أحمد العلاوي وليًّا صالحًا وعارفًا مُرشِدًا.

مَا لَكَ يا قَلْبُ اليَومَ فِي كَـــدَرٍ * دائِمًـــــا تُرَدِّدُ أيْنَ الـمَفَــــــــــــــرّ
قَد عَهِدنَا فيكَ عَقلاً ثابتًــــــــا * يَتَلَقَّـــــــى الأمْرَ مِن غَيرِ ضَــــــرَر
فَإذا بِالحَيْرَة تَمْلِكــــــــــــــــه * بالذي أنْشــاكَ قُلْ لي مَا الخَبَــــر
إنْ تَقُل لا شَيءَ، قُلتُ لَكمُــو * مَا لِهــذَا الجَوّ يَبدو مُكْفَهِــــــــــــر
فِي ظلامٍ واغْبِــــــــــرارٍ قَاتِم * فِـــي رِداء الحُــــزْن يَعلُــوه الضَّجَر
تَضِق ذَرْعًا وخَبِّــــــــــــرْ إنَّنِي * ثَابتٌ عَزيمَتِـــــــــــــــي لاَ تَنْفَجِر
زَفَرَ الفُؤادُ منه زَفــــــــــــــــرَةً * كَأَنَّـــه مِن حَـــــــــرِّها فَوقَ الجَمَر
جَلَّ خَطبٌ عَظُمَت آثــــــارُه * حَتَّى اشْتَكَـى مِن ثِقَلِهَا أَهْل النَّظَر
وَأجابَ هَذه الدّنيا فَنَــــــــــــا * وَهَباءٌ فِي هَـــــــــــواءٍ مُنْتَشِـــــــر
كلُّ مَن عَليهَا فَانٍ زَائــــــــــلٌ * إلاَّ وَجـــــــهَ الله بَـــــــــاقٍ مُسْتَمِر
قَد أَفَلَت شَمسُ الهُدَى فِي عَصْـرنا * قَد أفَلَ النَّجْمُ المُضِـــــــيءُ والقَمَر
وَظَلامُ الجَهْل زَادَ غَسَقًــــــــــا * وَكـــــــذَا زَيْغُ العُقُول قَد ظَهَــــــــر
قُلتُ: قُل لي لاَ تَخف مِن نَصَبِـي * فَإنَّـــــكَ رَمَيتَنِي بِذا الشَّـــــــــــرَر
اشرَح الأمْرَ ولاَ تَكَتَّــــــم فَقَد * جَرَحْت كَبِـــــــدي وَفُـــؤادِي انْتَحَر
وَهَالَنِـي مَا هَالَنِي لَكنِّــــــــه * كلُّ شَــــــيءٍ بِقضَـــــــــــاءٍ وقَدَر
قُل لي قُل لي ما جَرى فِي وقتِنَا * حَتَّى كــادَ العَـــــرش للأرْض يَخِر
أجابَنِي ولَكن ما استجـابَ لي * في غُموضٍ تَحتَـــــــه ضَـاع الخَبَر
قَد رُجَّتِ الأرْضُ بَدَا زِلزالُــــــها * حَتَّــــــــى كَادَت الجِبــــال تَنتَشِر
فَيا لَه مِن هَولِ يَومٍ قَد هَـــــوت* كَواكـــبُ الآفاقِ فيه تَنْتَشِـــــــــر
والكلُّ مِن هَذَا الُمصاب فَـــــازعٌ * لَو تَراه قُلتَ: الحَشـــــر قَـد حَضَر
مَا رأيتُ القومَ سَكــرَى مِثلمَا * شَاهدتُهم في هذا اليَـوم الـمُنْكَدِر
أبْصارُهم شَاخِصَةٌ خَـــــــاشِعَةٌ * لا تَنــــــزلُ إلاَّ بِدَمْعٍ مُنْهَمِــــــــــر
قُلتُ: صَرِّح إنَّ نَاري التَهبَــــــت * ونِيرانـــي فِــــي ضُلوعي تَسْتَعِر
غَيرَ أنِّي في اصْطِبارٍ صَابِــــــــرٍ * إنَّ الخــــطبَ قَد أرَاه مُحْتَقَــــــــر
لَكنَّك حَيَّرتَنِي فِــي الأمْـر إذْ * هَيَّجَتَ لِـي مِن بَاطِنِي مَـا قَد سَتَر
بِالله لا تَكْتُم عَـلَيَّ واقْتَــــــــرِحْ * مَا شِئتَ مِن صَــــبْرٍ فَإنِّي أصْطَبِر
فَأجَاب القَلبُ: لَكِن بالــــــــذي * حَيَّرَ العَقـــــلَ وخَاضَـــــــت الفِكَر
إنَّ فِي الغَرب غُروبًا للضِّيَــــــــا * إنَّ فــــي الغَرْبِ خُسوفًا للقَمَـــر
إنَّ في الغَرب مُصابًا جَلَــــــــلاً * يُبقِي فـــي الدَّهْرِ تاريخًا وعِبَــــر
وَمُستَغانــــــــــــم عَليهَـا ظِلَّةٌ * مِـــن الحِدَاد والسَّوادِ والكَـــــــدَر
وَرِداءُ الحـزن عَمَّ أُفْقَــــــــــــها * فَهَي تَبْكِي مِن دُمُـوعٍ كَالـمَطَـــر
قَد بَكَت قِدْمًا فَخَــرَّ صَرْحُـــــها * وانْتَشَـــــرَ البِناءُ فانْهارَ الحَجَـــــر
غَيرَ أنَّ اليَومَ غَارَ مـــــــــــاؤُهَا * حَيـــــــثُ نَارُ الحُزْنِ شَيءٌ لا يَذَر
غَيــرَ أنَّ اليَومَ غَابَ قُطْبُـــــــها * لا يَــــراه بَعدَ ذا أهلُ البَصَـــــــــر
قُطبُها العلاوي غَاب فـي الثَّرى * غَيـــــــرَ أنَّ رُوحَـــــه لا تَنْــــــدَثِر
آهٍ يـــــا قَلبُ وآهٍ بَعـــــــــــدَ آهٍ * رَمَيتَنِـــــــــــي بِنَبْلَةٍ تَنْفي العُمُر
هَذه لا صبـــرَ فيها أبـــــــــــــدًا * ولَيسَ لــي صبرٌ عَلى هَذا الضَّرَر
صَدمَة الإمــــــام أوْهَت جَلَـدِي * زَعزَعَــت أركْــــانَ قَلِبي الـمُنكَدِر
نَكْبَة الإســـلام هَذي يا أخي * يَشتَكِي الإسلامُ شَكوى من قُهَر
فَمن لَه بَـــــــعدَ الإمام ناصِـــرٌ * عَزّت الأنْصار في الوَقـت العَـــسِر
يَا لله للإيــــــــــــمان والتُّقَــى * ولِأهـــــــل الله أصحــــــــابِ العِبَر
كَيف لا تَبكي الآمـاقُ دَمعَــــةً * مِثلَ حَرِّ الجَمْـــــر بَل هي أَحَـــــرّ
صمّ إن جَفّت دُموعي فَـدَمي * يَـجْري نَـــهْرا فَوقَ سَفْـــحٍ مُنْحَدر
قلْ لأهل الفضل: مَن يُرْشِدُكـم * للمَعـــــــالي دَرجـــــــــــاتٍ تُعتَبَر
قُل لأهــــل الله: غَابت قُـــدْوَة * يَقتَــــــــفي وَراءهـــــــا أهلُ الأثَر
قُل لأهل الحـقِّ: مَن يُهديـكم * مِن دَقيق الفَهــم عِلمًا كالــــــدُّرَر
سَائِلَ الشـرقَ وسائِل غَربَــهُ * واســأَل العُـــربَ والعَجَــــم واعْتَبِرْ
واسأل أهلَ الشَّام عَن إمامِهِــم * واسأَلْ أهلَ اليَمَن تَلـــــقَ الخَبَــر
واسْأَل القُـدسَ الكَريـم بَعـد ذَا * عَن إمامِ الخَيــــــر مُرشِدِ البَشَــر
وقُل لَهم: مَن ذا الذي يَنصَحُكُـم * بَعد العلاوي في البوادي والحَضَر
وارْجِع إلى الرّيف وفـاسٍ وانْظـرُن * آثــــارَه بَينَ العِبَـــــــــاد وادَّكِـــــر
أنْوارُه كَالشَّمس لاَحت في العُلا * عَجيـب هَدْيٍ في البِلاد مُنْتَشــر
هَـــــذه هي الحيـاة في الـوَرَى * لَيْست الحيــاة حَقًّا فــي الصُّـــوَر
وحَيـــــــاة العُظمَـــــــاء بَينَنَـــــا * تَتَجَلَّــى في الأفعـــــال والأثَــــــر
هَكذا العـلاوي يَفنَـي جِسمُـــه * غَيـــرَ أنَّ الفعلَ يَبقـــــى مُدَّكَــــر
فَهو حَـــــــيٌّ بِحيــــاة أصبحــت * عنــــد أهل العقل كلّهــــــــا عِبَر
يَستَفيـــــد العقــــلاء كلّمَـــــــا * ذَكـــروه عَند كــــل مَن حَضَــــــر
فـــــي حَيـاة أو مَمــات مُرشِدٌ * يَنصـــــــح قلبًــــا سليمًــــا يَعتَبِر
قــــلْ لأهـــل الزّيغ: ذوقُوا ذلّـةً * واخسؤوا فيهـا ولا تَـــرموا الشَّرَر
وضُربـــــت عليكمــــو مَسكَنَـةٌ * لا تقـولوا: الهَجـــــرَ فالهجرُ انْتَحَر
إنَّ سيفَ الحقّ يَفري فـي العـدا * فَرْيَ ذي الفِقـار يَقصــــم الظَّهَــر
فَهو فــــي الغِمـد ولكنَّ حَــدَّه * مَا قَضــــى عَلى امــــريءٍ إلاّ بَتَر
لا تَقومـــوا فـــــي نَعيق بينَنَـا * أو نَهيـــق يَحــــكي أصوات الحُمُر
أَسَـــدٌ مـــــــا زال في عَرينــه * يُخجلُ الذِّئــــــــابَ إنْ هــــــو زَأَرَ
يَنفى العِدا يَرعى الحمى يَقضي على * مَن قد طَغى فالله يَجزي مَن شَكر
جَزاكَ يا غَوثَ البـــــرايا رَبُّنَــــــــا * كَما جَـــزى الأبْرار نصَّاحُ البَشَــــر
ونَم هنيئًــا مُطمئنًّا نــــاعمًــــــــا * مِن بيـــــن حُورٍ ونَعيـــــــم مُدَّخَر
مُمَتَّعًــــا مِن نظــــرة يَعلمهــــــا * مَن شاهَد الأمرَ فَـــزاد في النَّظَر
يَا رب ارحـمِ العــــلاوي غَوثَنَـــــا * بِجــاه طَــــه المصطفى خَيرِ مُضَر
صَلَّـــــى الله ما قالَ الــــــــــوَرى * كلُّ شَــــــيءٍ بقضـــــــــــاءٍ وقَدَرٍ