الإخــلاص سـرّ الله

بقلم مدني

الاحد 27 أفريل 2008, بقلم المدني


بسم الله الرحمان الرحيمم

عن سفيان الأصبحي انه دخل المدينة فإذا هو برجلٍ قد اجتمعَ النَّاس عليه، فقالَ: “مَنْ هذا؟” فقالوا: “أبو هريرة”، قالَ: “فدنوت منه حتى قعدت بين يَديهِ وَهوَ يُحدِّث النَّاس، فكلَّما سكت وخَلِيَ”، قلت له: “أنشدك بحقِ وبحقِ لَمَا حَدَّثتني حديثًا سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، عَقَلتَه وَعَلمْتَه، فقال أبو هريرة:”أفعلُ، لأحدِّثنك حَديثَا حدّثنيهِ رسول الله صلى الله عليه وَسلَّم أنا وهوَ في هذا البيتِ، عَقلتُه وعَلمتُه، ثم نشغَ (شَهَقَ حتَّى كاد يُغشى عليه) أبو هريرة نشغَةً ، فَسَكَت قليلا، ثمّ أفاق َ فقالَ لأحدثنَّك حَديثَا حدَّثنيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البَيتِ، ما مَعَنا أحدٌ غيري وغَيرُه، ثمَّ نشغَ أبو هريرة نشغَةً أخرى ثمَّ نكسَ حَتَّى أفاقَ، فَمسحَ وَجهَه ثمَّ قالَ: "أفعلُ، لأحدثنك حديثَا حدَّثنيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في هذا البَيتِ، ما مَعَنا أحدٌ غيري وغَيرُه، ثمَّ نشغَ أبو هريرةَ نشغَةً شديدةً، ثمَّ مالَ خَارًّا على وجَهه، فاشتدَّ به طويلاً، ثم أفاقَ فقال :

حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :

"أنَّ الله جل ثناؤه إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم،

وكلُّ أمة جاثِيةٌ، فأوّل من يُدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال والصدقة،

فيقول الله للقارئ : ألم أعلّمكَ ما أنزلت على رسولي؟ قال: “بلى يا ربّ”. قال : “فماذا عملت فيما عَلمْت” ؟ قال : “كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار” . فيقول الله جل ثَنَاؤه : “كذبت” ، وتقول الملائكة له : “كذبت”، ويقول الله جل جلاله : “بل أردت أنْ يُقَال فُلان قارئ”، فقد قيلَ ذلك.

ويُؤتَى بصاحب المال، فيقول الله تعالى: “أولم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟ فيقول :”بلى يا رب“. فيقول :”فماذا عملت فيما آتيتك ؟" قال : كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله : كذبت، وتقول الملائكة : كذبت : بل أردت أن يقال فلان جواد، فقد قيل لك ذلك.

ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له : فيما ذا قتلت ؟ فيقول : “أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت” . فيقول الله : “كذبت”، وتقول الملائكة : كذبت، ويقول الله : “بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك” .

ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي وقال : “يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة” .

ذكره ابن العربي في أحكام القرآن، سورة هود.

ابن رشد في كتاب المقدّمات، ص.29.

يشمل هذا الحديث أصلاً من أهم أصول الطريق وهو إخلاص الأعمال لله جلَّ ثناؤه. ومنه نقتبس هذه الأنوار:

1- كانت الأحوال القلبية مما يعتري كبار الصحابة، حتى وصلت بهم هذه الأحوال إلى النشغ، أي البكاء الحار حتى يَكاد يُغمى عليهم.

2- كان اعتناء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في هذا الحديث بمداواة القلوب مما يطرأ عليها من الأدواء وخاصة الرياء.

3- إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، وإلاَّ كان العمل المشوب بالرياء سببا في إهلاك صاحبه.

4- أفضل وسيلة لتوجُّه القلب لله وتوجِيه الأعمال إليه هو التربية الروحية الراقية التي تقضي على أدران النفس.

5- السير في طريق الله أفضل السبل للتحلّي بالإخلاص في الأعمال والصدق في النوايا.

و الله ولي التوفيق.




أرسل رسالة

Facebook