حَلاَوَةُ الإيمان

بسم الله الرحمان الرحيم

والصَّلاةُ والسَّلام عَلَى أَحلمِ الحُلماء وَأَتقَى الأَتقياء، تاجِ الأَنْبيَاءِ، وَفَخَارِ الأَوليَاءِ، وَعَلَى آلِه وصَحَابَتِه، السَّادَةِ الكُبَرَاء، وَسَائِر العَارفِينَ الأَصفياء، ومَن نَهَجَ نَهجَهم إلى يَومِ اللِّقَاءِ.

أما بعد،

مِن بَين مَقَامَات المَعرفةِ التي يَتَنَافسُ في إدْرَاكها العَارفون، ويَتَسَامَى لنَيْلِهَا الواصلونَ، مقامُ اليقين وما يُعْقِبُهُ مِن حَلاَوَةِ الإيمان ونور الثَّبَاتِ وسَكينَة القَلْب. وعَلَى دَرْكِ هَذا المقام رَبَّى المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أصحابَه الأجِلاَّء. ولهذا يَقول سيِّدُنَا صُهيب الرومي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أَمرَه كُلَّه خيرٌ، وَلَيسَ ذلك لأحدٍ، إلاَّ لِلمُؤمِنِ: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيرًا لَه، وإنْ أَصَابَتْه ضَرَّاءَ صَبَرَ فَكانَ خَيرًا لَه “. (رواه مُسلم).

وبَعدَ أَنْ تَذَوَّقَ كبارُ الصحابة، العارفون بربهم حقَّ المعرفة، هذه السكينةَ عبّروا عن عميق إيمانِهم، وشوارق أنوارهم، المُستَمَّدَةِ من حَضرَةِ المصطفى صلوات الله وسَلاَمُه عَلَيْه. فهذا سيدنا العَبَّاس بنُ عَبد المُطلب يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ذَاقَ طَعمَ الإيمان مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وبالإسْلاَمِ دينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولاً “. (رواه مسلم والترمذي).

على أَنَّ حلاوةَ الإيمان الكُبرَى لا تُذَاق باللِّسَان، ولا يُعَبَّر عَنها بالبَيان، ولا تُدْرَك بمُقَارَعَة البرهان، وإنّمَا هي نورانيةٌ تُعَاش بصَفَاء الجَنَان. يَقول سيد الوجود عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: ” ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوةَ الإيمان: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحبَّ إليه ممَّا سِواهُمَا، وَأَنْ يُحبَّ المَرءَ، لاَ يُحبِّهُ إلاَّ للهِ، وَأنْ يَكرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفر كَما يَكرَه أنْ يقذَفَ في النَّارِ ” (رَواه البخاري ومسلم).

وهذا الذَّوقُ القَلبيُّ والنُّور البَاطنيُّ هو مَا عَاشَه الصَّحَابَة والعارفون، ومَا سَعَى للتحلِّي به العلماء العَامِلون. وهو الذي قدموه على المَصَالح الدنيوية العَاجِلَة، وحَارَبُوا به الأوهَام النفسيّةَ الوَاهيَةَ. ومن ذلك أنَّ عبدَ الله قال حدثنى أبي، حدثنا وكيع قال حدثنا أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة قالت: جَاءَ رجلان من الأنصار يَختَصمَان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مَواريثَ بَينَهُمَا قد دَرَسَتْ، لَيسَ بينهما بَيِّنَةٌ، فَقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إنّكُمْ تَختَصِمُونَ إليَّ، وإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعضَكَم ألحنَ بِحجَّتِه – أَو قَد قَالَ لِحُجَّتِه – من بَعضٍ، فإنَّمَا أقضي بَينكم على نحو مَا أَسمع، فَمَن قَضَيتُ لَه مِن حَقِّ أَخِيهِ شيئًا فَلاَ يَأخذُهُ، فَإنَّمَا أَقطَعُ لَه قطعةً مِنَ النَّار يَأتي بها إسْطَامًا في عُنقه يوم القيامة “. فَبكَى الرجلان وقال كل واحد منهما: “حقي لأخي”. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :”أَمَّا إذ قلتما، فاذهَبَا فاقتَسمَا ثم تَوَخَّيَا الحقَّ، ثم اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيُحْلِلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبَهُ”. (تحفة 18174 معتلى 12572).
ولما سَمعَ المتخاصمان كلامَ سيدنا محمد، صَلَّى الله عليه وسلم، الجامعَ المانعَ، الذي حَرَّكَ الإيمان في صدورهما، وألهمهما خشيَةَ الله، والسعيَ إلَى الدار الآخرة، بَكَيا وتنازل كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه. وانتهت القضية بالإيمان والمحبة والامتثالِ لسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ومِثْلُ هَذه السَّكينةِ القَلبيّة الراقية هي التي حَرَّكَت الأفئدةَ إلى الإيمان وهَدَتهَا إلى الإيقان وصَارَت سلوكًا مشرقًا يزيّنُ أحوالَ المُؤمِن. وقد روى المؤرخونَ أنَّ الكُفّارَ أغْرَوْا الشّاعرَ حسَّانَ بنَ ثابتٍ، قَبلَ دخوله دِينَ الإسلامِ بِمَبلَغٍ منَ المَالَ حتى يَهجُوَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلَّمَ. فَمَشَى ووَقفَ عَلَى رَبوَةٍ صَغيرَةٍ وفَكَّر فيما يريد قوله، إذ به يرى طلعةَ سيِّدنَا محمد صلى الله عليه وسلم، خير البرية، يَمشي والنُّورُ الربَّاني يتلألأ على مُحَيَّاه الشريف جلالاً وهيبةً و وقارًا، انشرَحَ صدره للإيمان ونطق لسانهُ بكلمة التوحيد ومشى للقوم وقال لهم: “هَذَا مَالُكُم وإنِّي أَشهَد أنَّه رسول الله”، قالوا: “ماذا دهاك ؟! مَا لهَذَا أرسلناك”. فأنشد يقول :

لَـــــمَّا رَأيـــــــت أنـــــوارَه سَطَعَت *** وضعت من خيفتي كفّي علَى بَصَري

خَوفًا على بصري من حسن صورته *** فَلَســـــــــــــت أنــــظره إلاَّ عَلَى قَدَر

رُوحٌ من النور في جسـمٍ من القمر *** كَحِلْيَــــــــة نُسِجَـت مـن الأنجم الزُّهْر

وخلاصة القول إنَّ أوَّلَ مراتب السلوك إيمانٌ لاَ يزول ولا يَحول، وإيقان لا تُؤَثِّرُ فيه الصوارف ولا القَواطع، وسكينة لا تَهُزُّهَا شدّةٌ دنيوية ولا يُضعِفُهَا إنكار المنكرين.

ونسأل الله العَلِيَّ الأعلى أن يُتَوِّجَ بمعرفة الله مَسَاعينا، ويجعل الاقترَابَ منه آكَدَ غاياتِنا ومَرَامِينا، وإليه مآل إشاراتنا كلّهَا ومعانينا، بجاه حرمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عروسِ مَغَانِينَا.

بقلم الشيخ محمد المنوّر المدني،

سجل بإذاعة الزيتونة للقرآن الكريم، برنامج
يوم 24/03/2010.

الشيخ محمد المدني يتحَدّث عن الَقدَر

"عَلَى العاقِل إلاّ أن يَعترفَ بإحاطة القَدَر بِكُلّ فعلٍ من أفعال البَشَر، وتلكَ حكمة الله في خلقه لجميع الكائنات، قامَ بها ناموس الوجود، فَجَعل الخلقَ قِسمَين: مُمْتَثلٍ للمَأمورات، ومُرتَكب للمَنهيات، ليَكون الجزاءُ نَوعَيْن: نَعيمٌ وعقابٌ و﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ...

الأصول الدينية في شرح الرّسالة العلاويّة في البعض من المسائل الشّرعيّة

تمهيد في العشريّة الأولى من القَرن العشرين، نَظَم الشّيخ أحمد العلاوي (1869-1934) قصيدةً تتألّف من أَلفِ بيتٍ، على بَحر الرَّجَزِ، وسَمّاها : “الرّسالة العلاويّة في البعض من المسائل الشّرعيّة “. وكان الغَرَضُ منها ذكرَ أهَمّ...

الشيخ سيدي محمد المدني يذاكر في تَربية الصغار على مَجالس الذكر

أحْضروا الصِّغَـارَ، في مَجالسِ الذِّكْر والتَّعليم 1. "أمَرَ الشّيخ (العلاوي) بإحضارهم، أي: أحْضروا الصِّغَـارَ، في مَجالسِ الذِّكْر والتَّعليم، لِيَتَعلّمُوا الآدابَ كُلَّهَا، كالحَياء لأنّه خير كلّه وهو من الإيمان، والمُروءَةَ، وهي من أفضل زينةِ الإنْسان،...

المولد النبوي لابن عاشور

1- الحَمدُ للهِ الذي أطْلعَ للنَّاسِ في ظُلمَة الضَّلالَةِ بدرَ الهُدى، وبلَّ بِغَيْثِ الرَّشادِ المُحَمَّدِيِّ ما لَحِقَ طينَةَ قُلوبِهم مِن صَدَا، ورَفعَ قَدْرَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وأعْلَى مَقامَه، وبعثَهُ رَحْمَةً للعالمين في الدُّنْيا وَعَرَصاتِ القِيامَة، وأمرَ...

شَرْح حَديث حَنظلَة: ساعَةٌ وساعَة

[ar]الشيخ محمد المدني[fr]Cheikh-al-Madani نَتشرَّف بتقديم رسالة اللحظة المُرْسَلَة على حديث حَنظَلَةَ، رَضيَ الله عنه، وفي هذا الكتاب الذي ألَّفَه الشيخ سيدي محمد المدني، قَدَّسَ الله روحَه، يظهَر علمه الجمّ في مَجال الحديث روايَةً وشرحًا ودرايةً. كما تظهر رقة أفهامه...

مختارات مدنية

[:fr]تهدفُ هذه المُختارات إلى إعْطاء صورَةٍ صادقة، وهذه وَظيفة المُختارات، عن عُمق الرّجل وأصالة مُقارَبَته، ومن ثَمَة إلى الحَثّ على مُطالَعَة سائر ما كَتَبَ والعودَة إلى رصيدِهِ الثّري الذي يتوزّع على ما يقارب الخَمسَةَ عَشرَ تأليفًا، شَملت كافّة فروع المَعرفة الإسلاميّة.
وبما أنّ هذا التُّراثَ لم يُترْجم بَعدُ إلى الفرنسية،[:]

ديوان أنيس المريد في التصوف والتوحيد

ديوان أنيس المريد في التصوف والتوحيد في ثنايا هذا الدّيوان الشعريّ نَفحاتُ رَجلٍ عالم عاملٍ، أراد أن يبثّها في قوالِب القريض وصيغ البيان. وليس الشأن في أساليبالتعبير عن هذه النفحات ولا فيما تضمّنَته من الأفكار الفَرعيّة، وإنما في...