آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » الشيخ حياته وآثاره » مؤلفات الشيخ سيّدي محمد المدني » المذاكرات » القَوْلُ النَّدِيُّ في مَعنَى أمنِيَّةِ النَّبِيّ

القَوْلُ النَّدِيُّ في مَعنَى أمنِيَّةِ النَّبِيّ

D 16 جانفي 2011     H 16:07     A المدني    


agrandir
بسم الله الرَّحمَن الرَّحيم

القَوْلُ النَّدِيُّ في مَعنَى أمنِيَّةِ النَّبِيّ [1]

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى...إلى قوله تعالى: عذابٌ مُهينٌ

1. يَقولُ المُفتَقِرُ إلَى مَولاهُ، مَن كَثُرَت مَساويه وخَطَايَاهُ، العَبدُ الضَّعيفُ المُحتَقَرُ، مُحَمَّدُ بنُ خَليفَةَ، بنُ الحاج عُمَرَ: أَحمَدُ اللهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأنَزِّهُ رَسولَهُ عَن كلِّ إخلالٍ، وَأَصَلِّي وأسَلِّمُ عَلَيْه، الإمامِ المُبين وعَلَى آلِهِ وأَصحَابِهِ أَجمعين.

2. وبَعدُ، فإنِّي أَحبَبْتُ أَنْ أُضَافَ لأَهل العِلْم وإنْ كُنتُ لَست مِن ذَوي الفَهْم، لذلكَ كَتبت مَا لاَحَ لِي في قَولِهِ، تَعَالَى: “ومَا أَرسلنَا قَبلكَ من رَسولٍ، ولاَ نَبيء إلا إذا تَمَنَّى ألقَى الشيطان في أمنيته... إلى قوله عذاب مهين [2] .

3. وقَد اضطَرَبَ في ذَلكَ العلماءُ الأَعْلاَمُ والجَهابِذَةُ الفِخَامُ، فَمنهمْ مَن قَالَ: إنَّ مَعنى قَوله، تعالى، تَمَنَّى زَوَّرَ النبيُ في نفسه حديثًا من أمور الدنيَا، ولاَ يَخفَى مَا فيه من الإسَاءَةِ، وقَائلُه هو البَيْضَاويُّ . ومِنهم مَن قَال: مَعنَى قَوله تَمَنَّى قَرَأَ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ، والذي حَمَلَهُم عَلَى ذَلكَ هو ما نُسِبَ للنبيء، صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم، من أنَّهُ لَمَّا قَرَأَ: “ومَنَاةَ الثالثة الأخْرَى [3]” أَلقَى الشيطانُ عَلَى لسانِه: “تلكَ الغَرانيق العُلَى وإنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَترتجى [4]”، وقَد طَعَنَ في ذلك كثيرٌ من الفُحول، وَرَدُّوهُ بِجَميع الوجوهِ، المَنقُولِ والمعقول.

4. وإنِّي قَد تَوَخَّيْتُ ذَلكَ كُلِّهِ وَأَخَذْتُ بِعُمُومِ اللَّفظ، لاَ بخصوص المَورد، وأَوضَحتُهَا بمَا يُزيلُ الالتباسَ ويَرفَعُ عَن القلوب الوَسوَاسَ.

5. قُلتُ، وعَلَى الله تَوَكَّلتُ: يَعني: اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ، واقْتَدِ بِمَنْ قَبلَكَ مِن الرُّسلِ، فإنَّنَا لَمْ نُرسِلْ رَسولاً، ولاَ نَبيئًا إلاَّ إذَا تَمَنَّى، أي الإحالة كَونه يَتَمَنَّى هدايَةَ قومه إلى دينه،

6. والمقصودُ، والله أعْلَمُ، أنَّ الرَّسولَ لاَ بُدَّ أنْ يَكونَ مُتَّصِفًا بالحِرْص عَلَى هدايَة أُمَّتِهِ، لأنَّهُ يَلزَم من تَمَنِّي العَبد للشيء أنْ يَكون حريصًا عَلَيه، وقَدَ كَانَ حَبيب الله تعالى، صَلَّى الله عَليه وسلَّم، أشَدَّ الرُّسلِ حرصًا عَلَى قَومه، حتى إنَّه يَنقَبض عندَ امتناع أحَدِهم من الإسلام، قَالَ تَسليةً له: “وَمَا أَرسلنَا الآية.. أيْ فَاصْبِر ولاَ تَضْجَرْ، فإنَّ ذَلكَ شأْنُ الرُّسل، عَلَيهم الصَّلاَة والسَّلامُ.

7. وقَولُه: “أَلقَى الشَّيطانُ في أمنيته” هُو مَاضٍ فِي مَحَلِّ المُضَارع: فَيلقي والأمنية مرادفةٌ للمُنْيَة، وهيَ مَا َيتَمَنَّاه العَبد، فَيصيرُ الكَلاَمُ: فَيُلقي الشَّيطَانُ وَسَاوسَه فيما يَتَمَنَّاه الرسول، والذي يتَمَنَّى الرَّسولُ هو هداية قومه إلى دينه. ولا شكَّ أنَّ الشَّيطانَ يَأتي عند ذلكَ بِجنوده فيلقي حبالَ وَسوَسَته كَيْ يضلَّ القَومَ عَن الهداية حتَّى يَقَعَ لِبَعْضِهم شَكٌّ، وبَعضهم يَعرضُ عَن الإسلاَم رَأسًا، وبَعضهم يَتَرَقَّى لدرجَة عِبادَةِ الأوثان، والبَعض الآخرُ لَم تُؤَثِّر فيه الوسوسة فَيَنسَخُ اللهُ مَا يلقيه الشيطان من قلوبهم حيث أرَادَ هدايَتَهم، ثمَّ يُحكمُ آياتِه تَثبيتًا لَهم والله عليمٌ حَكيمٌ.

8. وهِي جُملَةٌ مُعتَرضَةٌ لتثبيت حكمته تعالى وعِلمِه بذلك، وقَوله: “لِيَجْعَلَ” صلةٌ لِقَوله: “ألقى الشّيْطَانُ” أيْ يُلقِي الشَّيطَانُ وَسَاوِسَهُ كَيْ يَجعلَ مَا يلقيه فتنةً ومِحنَةً للذين في قلوبهم مَرَضٌ أي شكٌّ بحيث لم يَقطَعُوا بالصِّدق، ومحنة أيضا للقاسية وهم الذين أعرَضُوا عن الإيمان بالنبيّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأما الذين بَلغوا دَرَجَةَ عبادة الأوثان فَقَد قَالَ في حَقِّهم: “وإنِ الظَّالمين لفي شقاق بَعيد [5]” أيِ المُشْرِكينَ لَفِي خِلاَفٍ بَعيدٍ مَعَ النَّبيء، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَيف لاَ وهو يَدعوهم لتوحيد الله، جَلَّ وعَلاَ، ويُقيمُ عَلَيْهِم الحُجَجَ البَاهِرَةَ، وَهُمْ مُعْرِضونَ غَايَةَ الإعراض، وَلَم يَكْفِهم ذَلكَ حَتَّى أنَّهم اتَّخَذُوا الأصنامَ آلهَةً، فَعَبَدُوا الأوثانَ وتَوَجَّهُوا للصُلبَان، وقَد قَالَ في حَقِّهم: “إنَّ اللهَ لاَ يَغفرُ أنْ يُشرَكَ بِه [6]”.

9. وقَولُه: “وَليَعلَمَ” علَّةٌ لقولِه: فَيَنسَخ وَيُحكم معًا، أَيْ يَنسَخ مَا يلقيه الشيطانُ ويُحكمُ اللهُ آيَاتِهِ لِيَعلَمَ الذين أوتوا العلمَ وتوحيدَ الله، تَعَالَى، أَنَّه الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ فَيؤمنوا به فَتُخبِتَ لَه قُلوبُهم أيْ فَتَطمَئِنَّ قُلوبُهم لَه فَضلاً منَ اللهِ وَرحمَةً لَهم ولذلك قالَ: “وإنْ اللهَ لَهَادي الذين آمَنُوا إلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ [7]”، والصِّرَاط المستقيم هو الإيمان بما جَاءَ بِه، صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ.

10. “وَلاَ يَزَال الذين كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنْه [8]” أَيْ يَشْتَدُّ شَكُّهُم، وَيَتَقَوَّى كُفْرُهُم حَتَّى تَأتيهم السَّاعَة بغتَةً بدون تَهَيّءٍ لَهَا، أَو يَأتيهِمْ عَذَابُ يَومٍ عَظيمٍ، لاَ فَائِدَةَ لَهم فيه ولا منفعَةَ لَدَيه، بَل لَهم العَذابُ العَظيم وقوة نار الجَحيم، والمُلْكُ يَومَئِذٍ لِله، “يَحكم بَيْنَهُمْ” أي بَينَ المُؤمنينَ والكَافرينَ، فَيُجَازي كُلاًّ بما يُنَاسِبُهُ، فالَّذينَ آمَنوا وَعَملوا الصَّالحَات في جَنَّاتِ النَّعِيمِ، كَيفَ لاَ وَنَعيمُهُمُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللهِ الكَريم، “وَالذين كَفَرُو وَكَذَّبُوا بآياتنَا فأولئك لهم عذاب مُهينٌ [9]” وذلك هو جَزَاء القوم الخاسرينَ.

11. حَفِظَنَا اللهُ وجميعَ المؤمنين بِحُرمَةِ مَن قَالَ في حَقِّه: “وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ [10]وَبِالمُؤمنينَ رَؤوفٌ رَحيمٌ [11]”، عَلَيْه أَفضَلُ الصَّلاَةِ وَأَزكَى التَسليمِ، وَعَلَى آلِهِ وَأصحابه ذَوي القَدر العَظيمِ، والفَيْضِ العَميمِ. اهـ.


[1هذا العنوانُ مِن اقْتِرَاح المُحَقِّقِ.

[2الآيات بتمامها: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)، سورة الحجّ، 52.-57

[3راجع تفسير البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، الجزء الرابع، ص. 58.

[4سورة النجم، الآية 20.

[5الحج، 53.

[6سورة النساء، 48، 116.

[7الحج، 54

[8الحج، 55.

[9الحج، 57.

[10القلم، 4.

[11التوبة، 128.