مِن نَفَحات فَتْح مَكَّة المُكَرَّمَة

السبت 10 ديسمبر 2011, بقلم المدني


بسم الله الرحمن الرحيم

والصّلاة والسلام على أشرف المرسلينَ، وعلى أصحابه الغرِّ المُحَجَّلين،

إنّه يوم عظيمٌ، ليس كسائر أيام الدهر، إنّه يوم الفتح الأعظم، أشرقت شمسه على خير بلاد الدنيا مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ، وعلى البيت الحرام والكعبة المشرّفة التي عظم الله قدرها فكانت أول بيتٍ وُضعَ للناس، بَنَتهَا الملائكة فحجّ إليها أبو البشر آدم عليه السلام ثم من بعده أبناؤُه من الأنبياء والمُرسلين.

إنه اليوم العشرون من شهر رمضانَ، من السَّنَة الثامنة للهجرة النبوية، يومٌ قَضَى أهل الحرم لَيلته وفرائسهم ترتعد، هَجر النوم جفونَهم وبلغت القلوب الحناجرَ خوفًا على أنفسهم من جيشٍ يخيم في جبال مكة، وقد أحاط بها من كلٍّ جوانبٍ، إنه جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشرةُ ألاف مقاتل يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، قَضَوا نهارهم صائمين ثمَّ نَزَلَ بهم رسول الله بالكَديد، (قَريَة قريبة من مكة) أفطروا فيها ومضوا حتى نزلوا “مر الظهران” على بعد عشرين ميلاً شرَقَ مكة، فَضَربوا خيامهم، وعَمى الله الأخبار عن قريش فلم يأتيهم خبرٌ عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو فاعل.

وأمر صلى الله عليه وسلم الجيش فأوقدوا النيران فأوقدت عشرة ألاف نار حتى أضاء منها الوادي وحينما رأى القرشِيون فجأة هذه المشاعل الكثيرَةَ دُهِشوا ولم يعلموا حقيقة ما يرون. إنهم عشرة ألاف من المهاجرين والأنصار ومن تحالف معهم من القبائل أما المهاجرون فالذين أخرجوا من ديارهم بعد أن ذاقوا ويلات العذاب على يد كفار قريش حتى قتل منهم من قتل ونجا منهم نجا ومن لم يجدوا له سبيلا لشرفه فيهم أو لقوة عشيرته فقد نهبوا أموالَه وكلَّ مَا ترك في مكة. وأما الأنصار فإنهم أهل المدينة المنورة، هاجمتهم قريش في بدر فقتلت منهم من قتلت ثم عاودت الكرَّةَ يومَ أحد ومثلت بجثث قتلاهم.

هؤلاء المقاتلون الذين عذبوا في الله وقتل أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم يقفون اليوم على مرمى حجرٍ من قريش وأهلها فما تراهم فاعلين بهم؟

أشرقت شمس يوم الفتح فأضاءت بها الجبال والبيوت وهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخرج من قبته التي ضربت له فأشرق نور وجهه حتى غاب ضوء الشمس من شدة نوره إنه السراج المنير والرحمة المهداة لأهل الأرض والسماوات. أخذ صلى الله عليه وسلم في تقسيم المسلمين إلى فِرَقٍ فخالد بن الوليد على الجناح الأيمن وعليه أن يدخل مكة من جنوبها. أما الزبير بن العوام فعلى الجناح الأيسر وعليه أن يدخل مكة من أعلاها. وأبو عبيدة بن الجراح جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين وعليهم أن يدخلوا مكة من أعلاها في حذاء جبل هند، وسعد بن عبادة يدخل مكة من جانبها الغربي.

وأصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أوامره المشددة إلى جميع الفرق ألا تقاتل أو تسفك دمًا إلا إذا أكرهت على ذلك إكراهًا. وأن يكفَّ الجيش عن أهل مكة وممتلكاتهم. دَخَل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعطى لأهلها أمانًا على أن يدخلوا دار أبي سفيان أو يغلقوا بيوتهم أو يحتَموا بالحرم. دخل صلى الله عليه وسلم خَافضَ الرأسِ تواضعا لله عزّ وجلّ حين رَأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرَّحْلِ، دَخَلَ وهو يقرأ سورة الفتح. إنها العبودية الخالصة والتذلل لله، إنها الأخلاق المحمدية ولو لم يكن له صلى الله عليه وسلم إلا هذا الموقف دونَ كل مواقفه لَبَلَغ به أعلى المقامات ولتجاوز به كل الخلق، أنبياءَ ومرسلينَ.

دخل صلى الله عليه وسلم وحَقَنَ دماء اللذين آذَوه واللذين أخرجوه من أحبّ الأوطان إليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يريد الدماء ويريد دخول مكة في سلام حتى لا تُمَسَّ حرمتها، وحتّى يَدخل أهلها في الإسلام لينعموا بنعمة الإيمان. رُويَ أن سعد بن عبادة قال يوم الفتح : اليوم يومَ الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريش“. فشكى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعه من سعد بن عبادة فاستنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وقال:”بل اليومَ يومُ المرحمة اليوم يعز الله قريشًا ويُعَظِّم الله الكعبة".

حقن رسول الله صلى الله عليه وسلم دماء اللذين حاصروه في شعب أبي طالب حتى تقرحت أشداقهم من الجوع ومن أكل الأعشاب، حَقَنَ دماء اللذين قتلوا ابنته زينب رضي الله عنها حين همت بالخروج إلى الهجرة فأدركها هبار فنخز ناقتها برمحه فألقتها الناقة على صخرة وكانت رضي الله عنها حاملا في شهرها الرابع فألقت حملها وبقيت تنزف نَزفا شديدا فأخذت إلى بيتها ثم هاجرت بعدها لكن النزيف كان يعاودها في كل مرة حتى أدركها الموت في المدينة المنورة. حقن صلى الله عليه وسلم دماء اللذين أخذوا بيته وكل ما يملك هددوه بنبش قبر أمه وإخراج عظامها ليقايضوه بها.

دخل صلى الله عليه وسلم مكة حتى بلغ الكعبة بيت الله الحرام، رَمز التوحيد، فطاف صلى الله عليه وسلم بالبيت سبعًا وكان في يده قوس وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا فكلَّما مَرَّ بصنم طَعَنَها بالقوس وقالَ:“جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” والأصنام تتساقط على وجهها وتكاثر الناس حول الرسول في المسجد حتى امتلأ وهم ينظرون ماذا سيصنع الرسول بهم هل يقطع رقابهم أم يصلبهم أم يأخذوا إلى الصحراء أم يُسَلَّمون لمن يثأر منهم من المهاجرين والأنصار أم يكونون عبيدا بعد أن كانوا أحرارا وأشرافا وستصير نساءهم وبناتهم إيماء لأعدائهم؟

نَظرَ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعين رأت ربها ليلة الإسراء والمعراج وكلمهم بلسان كَلَّمَ رَبَّه بلا واسطة ولا ترجمانٍ فقال صلى الله عليه وسلم : “لا اله إلا الله وحده لا شريك له، صَدَقَ وعده، ونَصَرَ عبده، وهَزَمَ الأحزاب وحده، يَا مَعشرَ قريش إنَّ الله قد أذهب عنكم نَخوَةَ الجاهلية وتعظُّمَهَا بالآباء، النَّاس من آدمَ وآدم من تراب

ثمَّ تلا هذه الآية: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات 13)

ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش ما ترون إني فاعل بكم؟

وما إن اخترق نوره صلى الله عليه وسلم أفئدتهم حتى لانت قلوبهم وعقولهم فأنطق الله عزّ وجلّ ألسنتهم فقالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم.

كانوا يعرفون من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه الصادق الأمين, إنه الرؤوف الرحيم يعرفونه أكثر ما يعرفون أبناءهم وأنفسهم، لقد خبروه بين ظهورهم فلم يروا ما يعاب عليه, كان ينصر المظلوم ويأخذ حقه من الظالم ولو كان شريفا فيهم، كان يحفظ أماناتهم وكانوا إذا تفرقوا على شيء اجتمعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهاهم يخرجون السيوف من أغمادها ليقتل بعضهم بعضا من يضع الحجر الأسود في مكانه فانتظروا دخوله وقبلوه حكما واحتَكموا إلى رأيه. كانوا يستسقون به فيسقون.

فقال صلى الله عليه وسلم: “فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته:”لا تثريبَ عَليكم اليومَ“اذهبوا فأنتم الطلقاء”. قال لهم صلى الله عليه وسلم ما قال وهم لم يؤمنوا بعد وبهذه الكلمات والتصرفات عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل شيء ونسيَ كل إساءة وتجاوز عن جرائم قريش الماضية كلها حتى لقد امتّد عفوه فشمل من كان قد أهدر دماءهم عند دخول مكة وإن تعلقوا بأستار الكعبة ورأت قريش تلك السماحة والكرم ففتحت للرسول صلى الله عليه وسلم قلوبَها.

إنه صلى الله عليه وسلم مظهر الرحمة التي أنزلها الله لعباده ليتراحموا بها إلي يوم القيامة بل إنه عين الرحمة الإلهية لقد وسع عفوه الكافر والقاتل والمسيء وتحنن وتودد إليهم حتى صاروا أفضل الخلق بعد الأنبياء. تعجز العقول أمام سعة رحمة الله ولا يسعها إلا أن تتذكر قوله عزّ وجلّ: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ سورة الزمر/53)

ـ السيرة النبوية لإبن هشام: ج2 ص 413

ـ المغازي للواقدي : ج2 ص819 ـ 832

بقلم سيدي كمال بن رحومة.

فقراء قرطاج، تونس.




أرسل رسالة

Facebook