آداب وسلوك
هنا الطريق : الصفحة الاساسية » كتابات صوفية » دراسـات » من قبسات الحب الإلهي عند الشيخ محمد المدني

من قبسات الحب الإلهي عند الشيخ محمد المدني

D 20 أفريل 2013     H 14:24     A المدني    


agrandir

إنَّ المَحبّة من مَقامات الإحسان العالية، التي ثَبَتَت بالكتاب والسنّة، واعْتَمدها كبارُ أهل الله العارفين في كلّ عصرٍ مَنهجًا للسموّ بالرّوح في مَدارج الواصلين. ومــــــــن هؤلاء العارفين الشّيخ سيّدي محمّد المدني، رحمه الله، الذي يُقرُّ أنَّ المحبّة مَنهــــــج مُتكامِلٌ، يُفضي إلى الفــــناء في الله والبقاء به، وبها تَصفـــو البواطـــن وتَتَـــزَكّى الأرواح وتعـــرج إلى مـــــولاها خالصةً من الأغيار. وبالتالي فالحبُّ الإلهي تَتويج لما سبقَ وعروجٌ بالقلوب، وفيه تَتَّجهُ المحبّة إلى الحقّ جلّ وعلا، وفيه يقول الشّيخ سيدي محمد المدني، رَحمه الله “يَلزَم المريدَ أن يَكونَ شديدَ المحبّة لجانب الحقّ، تَبارَكَ وتَعالى. واعْلَمْ أنَّ المَحبّةَ دينُ أهلِ الله ومَذهبُهم، والمَحبّة لله ثلاثة أقسامٍ: مَحبّة العَوام وهي في مُقابَلَة إحسان الله إلَيهم ووُفورِ نِعَمِهِ عَلَيهم. ومَحبّة الخَواص وهي خالصةٌ عَن الشوائب، وإنّما هي لاستحقاق ذاته أن يكون مَحبوبًا، ومَحبّة خاصّةِ الخاصَّة وهيَ تَقتضي انمِحاقَ المُحبِّ في ذات مَحبوبه”.

وفيه (أي الحب الإلهي) نَظم عديد القصائد ولعل من ألطفها قصيد:

بُح بالغرام فما عليك من حرج ***وشنِّف السمعَ واشف ألمَ المهج .

هذا القصيد يتكون من تسعة أبيات ومنشور بالصفحة 12 من ديوان الشيخ محمد المدني “أنيس المريد في التصوف والتوحيد طبعة 2002”وقد جاء على بَحر البسيط “مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن”.

نَحا فيه الشيخ محمد المدني نفس المنحى الذي اختاره سلطان العاشقين عمر بن الفارض المصري “1162/1234م في قصيده الشهير والذي طالعه:

مـا بَـيْنَ مُـعْتَركِ الأحـداقِ والمُهَجِ *** أنــا الـقَتِيلُ بـلا إثـمٍ ولا حَـرَجِ

متأثرا به مظهرا مذهبه في الغرام والحب الإلهي.

وقد استطاع أن يلخص أطوار هذا الحب وهذه المحبة التي هي استيلاء ذكر المحبوب على جميع قلب المحب منطلقا من وجوب البوح بالحب فكان الأمر للعشاق “بح” والتغريد به دون خشية لوم العذال لأنه ينتمي إلى:

نحن قوم لا نبالي بالملام ***ان كتمنا الحب أبداه الغرام ..

ولأنه يرجو من اللائمين ان يتركوه في عشقه حين قال لهم

يا لائمي دعني مالي براح ***عشق الإله فني فلا جناح

فان الخوف والحرج والعتاب واللوم على البوح كلها الى زوال واندثار بدافع الحب فكانت الأبيات تتضمن “قل لي قولا” “فلا جناح عليك” “ولا تخف من عذول”..

وبعد هذه المخاطبات يقسم الشيخ محمد المدني “وقسما بالذي تجلى جماله” واختياره للجمال نابع من يقينه أنَّ المحبة ميل الجميل إلى الجمال بدلالة المشاهدة، كما ورد “إنّ الله جميل ويحب الجمال”، والجمال الحقيقي صفة أزلية لله سبحانه مشاهد في ذاته أزلاً مشاهدة علمية، فأراد أن يراه في صفته مشاهدة عينية، فخلق العالم كمرآة شاهد فيه عين جماله عياناً، وقوله صلى الله عليه وسلم “كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن اُعرف فخلقت الخلق”.

ولهذا “أشرق الكون من سنائه البهج” ..ولهذا بدا الوجود في مجلى الشهود ...ولهذا غدا الليل صباحا منبلجا” .

ولهذا انكشف الغطاء المحجوب بوجوب النظر والاعتبار الى كل الموجودات من الآيات والحجج في السماء وفي الآفاق وفي الأنفس ..ولهذا انكشف جمال المحبوب وحسنه

فان نظرت فلا تنظر الا حسنها *** وان فكرت ففي الجمال لم تخرج

ولهذا كان نداء الشيخ محمد المدني في قصيد آخر للحق ب

يا جميلا قد تجلى *** ليس لي قصد سواك

ولهذا نادى المحبين

وافن عن كل الورى حتى ترى *** حسنه الغالي الذي لا يسام .

الأستاذ بدري بن منور المدني
قصيبة المديوني 17/04/2013