الصفحة الاساسية > الشيخ حياته وآثاره > مؤلفات الشيخ سيّدي محمّد المنور المدني > دراسات وومضات > لَقَد جاءَكم رَسولٌ مِن أنْفُسِكم عزيزٌ عَليه ما عَنتُّم حَريصٌ عَليكُم بالمؤمنين (...)

لَقَد جاءَكم رَسولٌ مِن أنْفُسِكم عزيزٌ عَليه ما عَنتُّم حَريصٌ عَليكُم بالمؤمنين رَءوفٌ رحيمٌ

الاثنين 24 ديسمبر 2012, بقلم المدني


بِسم الله الرَّحمن الرَّحيم

والصَّلاة والسَّلام على مَن وَصَفَه الله بأعْظم صِفات التَّعظيم، وحلاَّه بأحلى حُلى التّكريم، وعلى آله وصحابَتِه ذَوي القَدر الفَخيم.

مافتِئَ الله تَعالى يُنَبِّهُ الأمَّة علَى فَضل رَسوله الكريم، ويذكِّرها بكرامَته عند ربِّه، وعلوَّ مَنْزِلته عنده، ومن ذلكَ الآية الكريمة، عدد 128 من سورة التوبة التي يقول فيها الحقُّ، جلَّ وعَلا: “لَقَد جاءَكم رَسولٌ مِن أنْفُسِكم عزيزٌ عَليه ما عَنتُّم حَريصٌ عَليكُم بالمؤمنين رَءوفٌ رحيمٌ”.

فأوَّلُ وصْفٍ وردَ في هذه الآية هو إسنادُ المَجيء إلى الرسول، عليهِ الصَّلاة والسَّلام، :“ لَقَد جاءَكم”، وهذا كنايَةٌ عن شُمول رَحمته تعالى وعمومها للأكوان بِبَعثته عليهِ الصَّلاة والسَّلام، وإشارةٌ إلى أنَّ هذا المجيءَ هديَّةٌ عظيمة وتُحْفَةٌ سَنِيَّةٌ.

ولقد اختلف المُفَسِّرونَ في المُخاطَب بهذه الآيَة :

فقال الزجَّاج، رَضيَ الله عنه: “هي مُخاطَبَةٌ لجميع العالَم والمَعنى جاءَكم رسولٌ من البَشر، وليسَ من الملائكة وهذا الوصف أوْكَدُ للحجَّة أيْ هو بَشَرٌ مثلكم لِتَفهموا عَنه وتأتمُّوا به”.

وقال الجمهورُ: “هو خِطابٌ للعَرب على جِهَة تَعديد النِّعمَة عَلَيْهم، إذ جاءَ بِلِسانِهم وبما يَفهمونَه من الأغْراض والفَصاحة فشَرُفُوا به في غابِر الأيّام”.

وأما قوله تعالى: “مِن أنْفُسكم” أيْ مِن ذَوي نَسَبِكُم ومن صَميمه، وفي ذلك امتِنانٌ عَلى العرب وتَنويهٌ بِفَضيلتهم، فالأجْدَر بهم الافتخار به والالتفاتُ حَولَه.

وفي قراءة عبد الله بن قسيط المَكِّي : “مِن أنْفَسِكُم” أي بِفَتح الفاء، وهو من النَّفاسة، وقد رُويَت هذه القراءة عن النبيّ، صلَّى الله عليه وسلم، وعَن فاطِمَةَ وعن ابنِ عبَّاسٍ، والمَعنى: أي مِن أشْرَفِكُم وأفْضَلِكم، وهو مأخوذٌ من قولِنا: شيءٌ نَفيسٌ إذا كانَ مَرغوبًا فيه.

قال الحُسين : “مِن أجَلِّكُم نَفْسًا، وأعْلاكم همَّةً، جَادَ بالكَوْنَيْن عِوضًا عَن الحقِّ، مَا نَظرَ إلى الملكوتِ ولا إلَى السدْرَةِ ،”ما زاغَ البَصرُ وما طَغى".

وأما قَولُه تَعالى: “عزيزٌ عَلَيْه ما عَنتُّمْ” أي يَشُقُّ عَلى قَلْبِه الشَّريفِ عَنَتُكُم أي: حُزْنُكم وشَقاءُكُم ومَشَقَّتُكم، بِسَبَب الابتلاء الإلهي، أو مَخافَةَ سوء العاقبة.

وقيل: يَشُقُّ عَليه ركوبُكم مَراكبَ الخِلاف، وقيلَ: شديدٌ عَليهِ غَفلَتُكم عَن الله ولو طَرفَةَ عَيْنٍ.

وقال عبد العزيز بن يحْيَى : لا يَهمُّه إلا شَأنُكُم وهو القائم بالشَّفاعَة، فإنَّه لا يُرضيهِ إلا دُخولُكُم الجَنَّة.

وأما الوصف المُوالي في هذه الآية: “حَريصٌ عَلَيْكُم” أي عَلى إيمانِكم وهُداكم حتَّى تَدخلوا الجنَّةَ. وقيل: حريصٌ عَلى كلِّ ما فيه خيرٌ لَكم، فَحِرصُه، صلَّى الله عليه وسلَّم، دليلٌ عَلى رقَّةِ فُؤَادِهِ الشَّريف وعلى شديدِ اعتنائِه بكلِّ فردٍ من أمَّتِه، ولذلك جِيء بتأكيد هذا الوَصفِ بقوله: “رَؤوفٌ رحيمٌ

فقال الحسين بنُ فَضل : لَم يَجمع اللهُ لأحدٍ من الأنبياء اسمَيْنِ من أسمائه إلا للنبي مُحمدٍ، صلَّى الله عليه وسلم، فإنَّه قال :“بالمُؤمنين رَؤوفٌ رَحيمٌ”، وقال :“إنَّ اللهَ بالنَّاس لَرؤوفٌ رَحيمٌ”، على أنَّ الفرقَ بَينَهما أنَّ النَّبي، صلى الله عليه وسلم، لمَّا كانَ مَخلوقًا كانَت رحْمَته ورَأفتُه مَخلوقَتَيْن، فصارت مَخصوصَةً، لِضَعْفِ الخِلقة، والله تعالى لمَّا كان خالقًا كانت رأفته ورحمته قديمَةً، فكانت عامَّةً للناس لقُوة الخالقيّة.

وأما ما يُستَخلص عمومًا من هذه الآية فجملةُ أمورٍ منها :

1 – التَّذكير بالمِنَّة العُظمى والهديَّة الكُبرى ببعثة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، والتَّنويه بصفاته الجامعة للكمال فبما أنَّه جاءَنَا، فعلينا إحسانُ وِفادَتِه بالايمان به والعمل الصّالح.

2 -الإيماءُ إلى اقتراب رحيله، صلَّى الله عليه وسلم، فالإخبار بمَجيئه – مع أنَّه حاصلٌ منذ أعوامٍ طويلة – هو كنايَةٌ عَن اقترابِ انتهاء أجَله الشريف، لذلك قال أبيُّ بنُ كَعبٍ: “أقربُ القرآن عهدًا بالله تعالى هاتان الآيتان”، لأنهما من أواخِر ما نَزَلَ.

3- التنبيه إلى المبادرة باغتنام وجود الرسول بَين أظهُرهم ليَتَشرَّفوا بالإيمان به وهم يُشاهدونَه، ويَقتبسونَ من أنوار هَدْيِه لأنَّ الاهتِداءَ بمُشاهَدَته والتلقِّي منه أرْجَى لحصول كَمال الإيمان.

4- ومن لطائف هذه الآية أنَّ الفاروقَ عمر، رضيَ اللهُ عنه، استَنَدَ على صفات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الواردة فيها لِيُثبِتَها في المُصحف. فقد أسند الطبري في تفسيره قال: كان عمرُ لا يُثبِت آيةً في المصحف إلا أنْ يَشهد عَليها رَجلان، فلما جاء خُزَيمَة (أو أبو خزيمة) بهاتين الآيَتَيْن قالَ عمرُ: والله لا أسألك عليهما بَيِّنَةً أبدًا فإنَّه هَكذا كان صلَّى الله عليه وسلم. قال: قال ابن عَطية: “يَعني صفة النبي التي تَضمنتها الآية”. وجاء في كتاب الخصائص الكبرى للإمام السيوطي(ج. ،2 ص. 263 ): "يشير إلى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتَرى من إعرابي فرسًا، فجحدَهُ الأعرابيُّ فَجاء خزيمة بن ثابت فقال: يَا أعرابيُّ، أنا أشهد عليكَ أنَّك بعته. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم،: يا خزيمة إنَّا لَم نُشهدكَ، كيفَ تشهد؟ فقال: أنا أصدقك على خبر السماء، ألا أصدِّقكَ علَى هذا الأعرابي. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادتَه بشهادة رَجُلَيْن، فلم يكن في الإسلام رجل تجوز شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة بن ثابت.

وهكذا جلُّ آيِ القُرآن إيماءٌ إلَى عَظمة سيد وَلد عَدنانَ، وتنويهٌ لمَا لَه من الفضل والإحسان، فَصلواتُ الله وسلامُه عَليه ما تعَطَّفَ عَلَينَا لأجله الحَنَّانُ المَنَّان.

والســـــــــــــلام.

الشيخ محمد المُنَوَّر المدني

الزاوبة المدنية، أوت 2012.




إرسال مشاركة

Facebook