كُنْتُ مَهجوراً وقَد صُولِحْتُ

السبت 29 ماي 2010, بقلم المدني

كل اصدارات هذا المقال: [عربي] [Français]


عَنْ بِشرٍ بنِ الحَارثِ الحَافي أنَّه قَالَ:

اعْتَرَضْتُ عَكْبُرَ الكُردِيَّ فَقُلتُ لَهُ:

  • إيش كَانَ أصلُ رُجوعِكَ إلى اللهِ تَعَالَى؟

فَقَالَ:

  • كُنتُ أَقطعُ الطَّريقَ وَرأيتُ ثَلاثَ نَخَلاَتٍ، نَخلةٍ منهنَّ لاَ تَحملُ، وإذا بعصفورٍ يأخذ من حِملِ النَّخلةِ التي تَحملُ رطبةً فَيدَعُهَا في التي لاَ تحمل. فَلَم أزلْ أَعدُّ عَليه عشرَ مِرَارٍ فَخَطَر بقلبي: “قُمْ وَانْظُر!”

فَنَهَضت فإذَا في رأس النَّخلَة حيَّةٌ عَمياءُ - يَعنِي وهو يَضَع الرَّطَبات في فِيها. فَبكيتُ
وَقلتُ:

  • سَيِّدِي! هذه حيَّةٌ، قَد أَمَرَ نَبيُّكَ بقتلها، أَعمَيتَهَا وأَقمتَ لَهَا عصفوراً يقوم لها بالكفاية وأنا عبدك أقرُّ بأنكَ واحدٌ أقَمتَني لِقَطع الطريق وإخَافة السبيل؟!

فَوَقَعَ في قلبي: “يا عَكبُرَ! بَابِي مَفتوح”.

فكسرت سيفي ووضعت الترابَ عَلى رأسي وصحت:

  • الإقالة! الإقالة!

فَإذا بهَاتِفٍ يقول:

  • قَد أقلنَاك! قد أقلناك!

فانتَبَهَ رفقائي فقالوا:

  • ما لك؟ قد أزعجتنا!

فقلت:

  • كنتُ مَهجوراً وقَد صُولحتُ.

فقالوا:

  • وَنحنُ أيضاً كُنَّا مَهجورين وَقد صُولحنا.

فرمينا ثيابنا وَأحرَمنَا كلُّنَا، فَمَا زلنا كذلك ثلاثة أيام، نَصيح ونبكي، ونَحن سكارَى حيارَى فَوردَنا اليومَ الثالثَ عَلى قريةٍ وإذا بامرأةٍ عمياءَ جالسةٌ على باب القرية فقالت:

  • فيكم عكبر الكردي؟

فقال أحدنا:

  • نعم لك حَاجَةٌ؟

قَالَت:

  • نعم لي ثلاث ليالٍ أرى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقول: “أَعطِ عكبر الكردي مَا خَلَّفه وَلَدُكَ”.

فَأخرجت لنا ستين شقة فائتزرنا ببعضها ودَخلنَا الباديَةَ إلى أَن أَتينَا البيتَ الحَرَامَ.

كتاب التوابين لابن قدامة. ص88.




أرسل رسالة

Facebook