آداب وسلوك

جوابٌ عَن سؤالٍ

في حُكْم الذِّكر بَعدَ الصَّلَوات المَكتوبَةِ

D 29 فيفري 2016     H 23:09     A المدني    


agrandir

جَوهرةٌ من جَواهِر الفِقهِ المَالكيِّ نادِرةٌ، ودراسةٌ في مسألة الذِّكْرِ بَعد الصلاة، باهِرَة. نَعتَزُّ اليومَ بإصدار مَدارِكِها وجاليها، وهي من الرسائل المَجهولة لسيدي الشيخ مُحمَّد المَدَني، رَضيَ اللهُ عنه، كَتَبَها سنة 1932 وأرسل بها إلى شيخه سيدي أحمد العلاوي، رَضيَ الله عنه، مُساهَمَةً منه في جَريدة البلاغ. وفيها تـأصيلٌ شرعي مَتينٌ لهذه الشعيرة من شعائر الدين.

1.أيُّها السَّادَةُ، إنِّي كنتُ تَوَصَّلتُ بِكِتابِكم يَحملُ سُؤالاً عَن الذِّكْر بَعدَ الصلوات المَكتوبة، أو نَقول: عَن الهَيْلَلَةِ (أي: قول لا إلاهَ إلا الله) بالخُصوص، دَعاكُم إلى ذلكَ مَن يَبغونَها عِوَجًا. ويَلزَمُ قبلَ كلِّ شَيءٍ، أيُّها السَّادة، أن نَتَواصى بطرح الجِدال جانبًا، إذ السلامة في التَسليم، ولا يَخْفاكم ما وَرَدَ مِن الوَعد في تَرك الجِدال، سَواءً كانَ مُحِقًا أو مُبْطِلاً.

2.نَعم، إنَّ قَولَة المُعتَرض تَدُلُّ على غِلظَةٍ في القلب، وفَظاظةٍ في الطبع، ولكن لا يَلزَمُ إلاَّ أن نَتَلَقَّاها وغيرَها بِصَدْرٍ رَحيبٍ، مِلؤُهُ العَفو والصَّبر الجميل ثم نَقول:

3. إنَّ هاته المَسألةَ، مَسْألةَ الذِّكْر بعد الصلاة، ليست من خَصائِص التصوف، إنَّما هي إلى عِلم الفِقه أقرَبُ، لذلكَ كانَ من اللازم أنْ نُوَجِّهَها إلى أحَدِ العُلَماء الأعْلام، بِحاضِرَة (مدينة) صَفاقسَ، فَلهم فيها أكثر ممَّا لَنا. إنَّ حاضِرَتَكم لَيست خاويةً عَلى عُروشِها، فإنَّ اعتقادي أنَّ صَفاقُسَ أكثرُ البلاد التونسيَّة، غَيرَ الحاضرة، علمًا في هذا العَصر. أمَّا اللائق في هذا الجواب بِي وبِأمثالي في هذا الجواب فهو: لا أدري، والله أعلم.

4.وإنِّي أظنُّ أنَّ الذي حَمَلَ المعترضَ على اعتراضِه هو ما نَقله العلامة مَيَّارة في كبيرِهِ (أي : كتاب المَيَّارة الكبرى) على ابنِ عاشور عَن الشيخ ابن هارون، رَضيَ الله عن جَميعهم، من ملخص قَوله: “إنَّ الذكر عَقبَ الصلوات بِدعةٌ”. وهذا الجواب سادتي لا تقوم بِه الحجة، فيما يَظهر، لأنَّه معارض للاحاديث الواردة في صيغ الذكر بعد الصلاة ومعارضٌ أيضاً لما انفصل عليه ابنُ عَرَفَةَ وغيره كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

5. وما رأيت فيما اطلعتُ عَلَيه من الكتب من أجاب بمثل جواب العلامة ابن هارون والله أعلم بما وراءَ ذلكَ .

6. ثمَّ أقولُ، لأجل الوعيد الشديد الوارد في كَتْم العلم، لَزِمَ أن أجيبَكم حَسَبَ العلم القليل والفهم الكليل، وإلا فَللجواب رجالٌ، فإنْ رَأيتموهُ جواباً، نَفعنا الله وإياكم به، وإلاَّ فالعَجز فَخْرِي، ونِصفُ العلم : لا أدري .

7.الجوابُ، واللهُ المُوَفِّقُ للصَّواب، إنَّ الأحاديثَ الواردَةَ في الذكرِ بعد الصلاة كثيرةٌ، ومعَ كَثرَتِها تدلُّ عَلى صيغٍ مُختلفةٍ في الذكر، بمعنى أنَّ النبيَّ، صَلَّى الله عليه وسلم، ذَكَرَ بَعد الصلاة تارةً بصيغةٍ، وطوراً بأخْرى، ومرةً بغيرها، وهذا مما يفيدُ عَدم التقييدِ في الذِّكر، بعد الصلوات بصيغة مَخصوصةٍ، وها أنا أذكرُ لكم بعض مما اطلعت عَلَيهِ من الروايات والأحاديث في هاته المَسألة، وَما لَمْ أطَّلِع عليه أكثر بأضعافٍ مُضاعَفَةٍ.

8. الحَديثُ الأوَّل: عَن ثوبانَ، كانَ رَسول الله، صلَّى الله عليه وسلم، إذا انْصَرَفَ من صلاته، استغفرَ الله ثلاثًا وقال: اللهمَّ أنتَ السلامُ، ومنك السلام تباركت ذا الجَلال والإكرام. قال الوَليد: فَقلتُ للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال تقول : أستغفرُ الله، أستغفرُ الله. رَواه مسلم في صحيحه، في باب استحبابِ الذكر بعد الصلاة، وبَيان صفته. فَهذا الحديث يدلُّ على أنَّ النبي، صلَّى الله عليه وسلم، كانت صيغة الذكرِ عنده بعد الصلاة هي الاستغفار.

9.:الحديث الثاني: أمْلى المُغيرة بنُ شُعبَةَ، الذي كان أميرًا على الكوفَةِ، من قِبَلِ مُعاويةَ، على كاتِبِه: أنَّ النبي، صلَّى الله عليه وسلم كان يقول في دُبُرِ كلِّ صَلاة مكتوبةٍ: لا إلاهَ إلا الله، وحدَه لا شريك له، له الملك ولَه الحمد، وهو عَلى كلِّ شَيءٍ قَدير، اللهم لا مانعَ لِما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما مَنَعتَ، ولا يَنفَعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ. رَواهُ البخاريُّ، في باب الذكر بعد الصلاة، ورَواه مسلم في باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيانِ صِفَته. قال في فتح الباري: “كَتَبَ له ذلك بَعد ما طلب منه معاويةُ أنْ يكتبَ لَه كيف كان يذكرُ النبيءُ، صلى الله عليه وسلم، بعد الصلاة”. ولا شَكَّ أنَّها صيغَةٌ ثانية تغايُر الأولى .

10. الحديث الثالث : كان ابنُ الزُّبَير يَقول، دُبُرَ (بَعْدَ) كلِّ صلاةٍ، حينَ يُسَلِّم: لا إله إلاَّ اللهُ وَحدَهُ، لا شريكَ لَه، لَه الملكُ ولَهُ الحَمدُ، وهوَ عَلى كلِّ شَيءٍ قَديرٌ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا بِاللهِ، لا إلَهَ إلاَّ اللهُ، ولا نَعبدُ إلاَّ إيَّاهُ، لَه النعمة ولَه الفَضلُ، ولَه الثَّناء الحَسَنُ، لا إلاهَ إلاَّ اللهُ، مُخلصينَ لَه الدينَ، ولَو كَرِهَ الكافرونَ. وقال: كانَ رَسولُ اللهِ، صَلَّى الله عليه وسلمَ، يُهَلِّل بِهِنَّ دُبُرَ (أي: بعدَ) كلِّ صَلاةٍ. رَواهُ مُسلم في صحيحهِ، عن ابن الزُّبَير من طُرُقٍ مُتَعَدِّدَة، في باب استحباب الذكر بَعدَ الصَّلاة وبيان صفته. قالَ مُقَرره بهامشه: يُهَلِّلُ بِهِنَّ أيْ: يَرفَع صوتَه بتلك الكَلمات، وعبارة المِشكاة يقول بصوته الأعلى: والتهليلُ قولُ : لا إلهَ إلا الله.

11.الحديث الرابع: كان يقول، صَلَّى الله عليه وسلم: اللهمَّ أعنِّي عَلى ذِكْرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِكَ"، رَواه ابنُ جُزَي الأندلسي، في كتابِه القَوانين الفقهية.

12.الحَديث الخامس: أنَّ النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، أسَرَّ إلى مسلمٍ بنِ الحَرث التميمي: إذا انصرفتَ من صلاة المَغربِ فقل قبلَ أنْ تُكلِّمَ أحدًا: اللهمَّ، أجِرْني مِن النَّار، سَبعَ مَرَّاتٍ، فإنَّكَ إذا قلتَ ذلكَ ثمَّ مِتَّ في ليلتك كُتِبَ لك جِوارٌ (أي: وقايةٌ) مِنْها، وإذا صَلَّيتَ الصُّبْحَ فَقُل ذلك، فَإنَّكَ إذا مِتَّ في يَومكَ، كُتبَ لكَ جِوارٌ منها. رَواه الإمامُ البَغويُّ في مَصابيح السنة، في باب ما يَقولُ عند الصباح والمَساء والمَنام. فَهذه صيغةٌ أخرى في الذكر بعد الصلاة، وإن كانت خاصَّةً بالمَغرب والصُّبْحِ، وتَحتَملُ أن تكون خاصَّةً بِمسلم بِن الحَرْث، لأنَّ النَّبيءَ، صلَّى الله عليه وسلم، أسَرَّها لَه.

13. الحَديث السادس: جَاء من حديث زَيدٍ بن ثابتٍ وابن عُمَرَ أنَّه، صَلَّى الله عليه وسلم، أمَرَهم أن يقولوا بعدَ الصلاة: “سُبحانَ اللهِ” خمسًا وعشرينَ مَرَّةً، ولا إلاهَ إلاَّ الله خمسًا وعشرين مرة، ولفظ زيد بن ثابت: أمَرَنَا أن نُسَبِّحَ دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ مَكتوبَةٍ ثلاثًا وثلاثينَ، ونَحمدَ ثلاثاً وثلاثينَ، ونُكَبِّرُ أرْبعًا وثلاثينَ. فأتى رَجل في مَنامه قال : أمَرَكم مُحَمَّدٌ أن تسبِّحوا... فَذَكره قال: نَعم. قال: اجعَلوهَا خَمساً وعشرينَ، واجعلوا فيها التهليلَ. فَلما أصبح أتى النَّبيءَ، صَلَّى الله عليه وسلَّم، وأخبره فقال: فَافعلوهُ. أخرجه النَّسائي وابنُ خُزيمَةَ وابن حِبَّان. ولفظ ابن عُمر: رأى رجلٌ من الأنصار فيما يَرى النائم، فَذَكَرَ نَحوَهُ، وفيه فَقيل له: سَبِّح خمساً وعشرين، واحمَدْ خَمْسًا وعشرينَ، وكَبِّر خَمساً وعشرينَ، وهَلِّل خَمساً وعشرينَ، فتلكَ مائة، فأمرهم النبي، صَلى الله عليه وسلم، أن يفعلوا كما قالَ. أخْرجَه النسائي وجعفر الغريابي. نَقَلَ هذا الحديثَ الحافظُ ابن حَجَرٍ، في “فَتح الباري على البُخاري” عند شرح حديث الفقراء مع أهل الدثور. وهاتِه صيغَةٌ سادِسَةٌ في الذكر بَعدَ الصلاة [1].

14. الحديث السابع: عَن كَعبٍ بن عُجْرَةَ، عن النبيء، صلَّى الله عليه وسلم قال: مُعَقِّباتٌ لا يخيبُ قائِلُهن أو فاعِلُهنَّ، دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ مكتوبة، ثلاثٌ وثلاثون تَسبيحةً وثلاث وثلاثون تَحميدةً، وأربعٌ وثلاثون تكبيرةً. رَواهُ مسلمٌ في باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبَيانِ صِفَتِهِ.

15.الحديث الثامن :عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، : مَن سَبَّحَ الله دبرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين وحَمَد ثلاثة وثلاثين وكبَّرَ ثلاثاً وثلاثين، فَتلك تِسعةٌ وتسعون ، وقال تَمامَ المائة : لا إله الله وحدَهُ لا شريك له، لَه الملكُ ولَه الحَمدُ، وهو عَلى كلِّ شَيءٍ قَدير، غُفرت خَطاياه، وإن كانت مثل زَبَدِ البَحر. رَواه مسلم في صحيحه، ورَواه مالكٌ في موطأه بهذا اللفظ، إلاَّ أنَّه قَدَّم التكبيرَ على التحميد، فَصيغة الذكر في هذا الحديث، وإن كانت قَريبَةً جداً من الصيغة التي في الحديث قبله إلا أنَّ بينهما تخالفًا يمكن لنا بسببه أن نقولَ إنَّهما صيغَتَانِ

16.الحديث التاسع : رَواهُ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ، في فَتح الباري، عَن عليٍّ وعَن سَعدٍ بن أبي وقَّاصٍ، وعن عبد الله بن عمرَ وأم سَلَمَةَ وأم مالك: تُسَبِّحونَ عَشراً وتَحمدون عشرًا، وتُكَبِّرونَ عَشرًا“، رَواه أحمدُ والنَّسائي والترمذي وأبو داودَ والبَزَّارُ والطَّبراني”. اه. مِن فَتح الباري بنوع تَصَرِّفٍ واختصارٍ. فهاته صيغةٌ تاسعَةٌ في الذكر بعد الصلاة. ثم قال في فتح الباري : وَجَمع البَغويُّ في شَرْح السنَّة بَين هذا الاختلاف باحتمالِ أن يَكونَ ذلكَ صَدَرَ في أوقات متعددةٍ ، أولها عشراً عشرًا، ثم إحدى عَشرةَ إحدى عشرَةَ، ثمَّ ثلاثاً وثلاثين، ثلاثاً وثلاثينَ. ويَحتمل أن يكون ذلكَ علَى سَبيل التخيير، أو يقترنَ باقتران الأحوال، وحَديث التسبيح والتحميد والتكبير الذي لَقَّنَه النبيءُ، صلى الله عليه وسلم، للفقراء في قصتهم مع أهل الدثور، رَواه البخاري في باب الذكر بعد الصلاة، ورَواه مسلم أيضاً لكن بتقديم التكبير عَلى التَّحميد .

17.وفي صَحَيحَيْ البخاري ومسلمٍ، في باب الذكر بعد الصلاة :عن عبَّاسٍ قال: كنت أعرف انْقِضاءَ صلاةِ النبيء، صلى الله عليه وسلم، بالتكبير"، وهذا ما يَدُل على أنَّ الذكرَ كانَ يقع بالجَهْر.

18.فهاته بعض الأحاديث التي اطلعنا عليها في هاته المسألة، مسألة الذكرِ بعد الصلاة، وإنكَ تَراها تشتمل على عَشْر صيغٍ من الذِّكر مختلفَةٍ اختلافاً كثيراً أو قليلاً، فَضلاً عَمَّا لَم نَطَّلع عَليه، وكلها مأثورة عن النَّبيء، صلى الله عليه وسلم، فَينبَغي الاعتناءُ بِجَميعها أو بَعضها، حَسَبَ الأذكار، إذ في التَّعَبُّدِ بالمَأثور ما فيه من الأسْرار والأنْوار وحُسْنِ الاقتداء بالأسْوَة الحَسَنَةِ، صَلَّى الله عليه وسلم، أحيانا الله وإياكم على سُنَّتِه وأماتنا على مَحَبته، أمين .

19.وأمَّا ما جرى عَليهِ العَمَلُ عند إخْوانِنا الفُقَراء مِن ذِكر الهَيْلَلَة بَعدَ الصلاة، بعد أن يقولوا: اللهمَّ أنتَ السَّلامُ ومنكَ السَّلام، تَبارَكتَ يا ذا الجَلال والإكرام، ثمَّ يُسَبِّحون ويحمدون ويُكَبِّرونَ ثلاثاً ويختمونها ب: لا إله إلا الله، وَحدَهُ لا شريك له، لَه المُلكُ، وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير .

20.رأيت حديثاً خاصًّا على هذا الترتيب، ومع ذلك فَليسَ هو مما ينافي المأثورَ، مَهما كان الذكرُ مأموراً به بعد الصلوات على الإجْمال، وما رَأيتُ أحَدًا مِن العُلماء يَقول بكراهَةِ الذِّكر أو الدعاء، بَعد الصلاة، ولو بِغَيْرِ المأثور، إلا إذا قَصَدَ بِه مُزاحَمَةَ ذكرٍ مأثور واعْتَقدَ أنَّه مِن سُنَنِ الصَّلاة.

21.واستدلالُ الفُقَراء إنَّما هو بعموم الأحاديث المروية في صَحيحَيْ البُخاري ومسلم، في باب الذكر بعدَ الصلاة الذي نَصُّهُ : إنَّ رَفعَ الصوتِ بالذكر، حينَ ينصرف الناس من المكتوبة، كانَ عَلى عَهدِ النبيء، صَلَّى الله عليه وسلم، واستدلالُهُم أيْضًا بها انفَصَلَ عَلَيْهِ كثيرٌ من العُلماء، وأجازوه من الذكر والدُّعاء بلسانٍ واحدٍ، ولَم يَرَوا في ذلك بَأسًا، من ذلكَ ما نَقله العلامة الشيخ مَيَّارة، في كَبيره (أي: كتابِه المَيَّارة الكُبرى) على ابن عَاشِرٍ، في مندوبات الصلاة، ونَصُّه بالحرف الواحد : "وقَد أكثرَ النَّاسُ الكلامَ في هَذِهِ المَسألة، أعني: دُعاءَ الإمام إثر الصَّلاة، وتَأمين الحاضرين عَلى دُعائِهِ.

22.وحاصِلُ ما انفَصَلَ عَليه الإمام ابن عَرَفَةَ والغبرني إنَّ ذلكَ كان على نَية أنَّه من سُنَنِ الصَّلاة أو فَضائلها، فهو غير جائزٍ، وإن كان مع السلامة من ذلك، فَهو باقٍ على حكم أصل الدعاء، والدعاء عبادَةٌ شَرعيَّةٌ فَضلها من الشريعة مَعلومٌ، وكذلك الأذكارُ بعدها على الهَيئَة المعهودة كقراءَةِ الأسماء الحسنى، ثمَّ الصَّلاةُ على النبي، صَلَّى الله عليه وسلم، مِرارًا، ثمَّ الرضا عن الصحابَةِ، رضي الله عنهم، وغيره من الأذكار بلسانٍ واحدٍ، وقَد مَضى عمل مَن يُقتدى بِه في العِلم والدِّين من الأمَّة على الدعاء بإثْرِ(أي بعدَ) الذِّكر الوارد بإثْر تَمام الفريضة. قال ابن عَرَفَةَ : “وما سَمعت من ينكره إلاَّ جاهلٌ غَير مُقَتَدَى به”.

23. ورَحم الله بعض الأندلسيين فَإنَّه لَم أنْهِيَ إليه ذلك (سمعَ بذلك) ألَّف جُزءاً في الرد على مُنكره . اه. بلفظه.

24.هذا وإنَّ العَمَلَ في الذكر بَعدَ الصلاة مختلفٌ، باختلاف المُدُن والقُرى، وكثيرٌ منه لم يَكن بِالمأثور، إذ مِنهم مَن يَقرَأ الفاتحةَ بعد الصلاة مِرارًا متعددة، ومنهم من يقرأ الإخلاصَ ثلاثًا، ومِنهم مَن يَقرأ آيَةَ الكرسي، ومِنهم مَن يَقرأ: استغفرُ الله العظيم، الذي لا إلاهَ إلا هو الحي القيوم وأتوب اليه ثلاثًا. ومِنهم مَن يَقرَأ صَلاة الفاتح، ومِنهم مَن يَذكر: يا لَطيف، مائة مرةٍ، ومِنهم ومنهم... لَم يَرَ العلماء في ذلكَ من بأسٍ.

25.فَيَلزَمُ هذا المعترضَ عَليكم أن يُنكرَ على جميع هؤلاء المُدن والقرى، فَإن أرادَ تَخصيصَ إنكاره بكم، فَهي حَزازاتٌ قَلبية، يوحيها عدو الانسان، حَفظنا الله وإياكم بما حَفظَ به عبادَهُ الصالحين آمين .اهـ [2].

محمد المدني التونسي.
تحقيق وتقديم ن. المدني
الزاوية المدنية، 29 فيفري 2016
.


[1صدر هذا القسم الأول من الدراسة في مجلة البلاغ، 253، بتاريخ 29 ذي الحجة 1350 الموافق ل 6 ماي 1932.

[2- البلاغ عدد 254، في 7 محرم 1351، الموافق 13 ماي 1932.