بلا واسطة ولا ترجمان

الشيخ سيدي محمد المنور المدني

السبت 20 سبتمبر 2008, بقلم المدني


بسم الله الرّحمان الرّحيم

اللّهم صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا محمّد الموصوف بخير النّعوت والأسماء، و بحر العلم الزّاخر وينبوع الحكمة والذّكاء .

بلا واسطة ولا ترجمان

إنّ تواصل بني البشر فيما بينهم يتمّ بإشارات أو لغات مكتسبة مخصوصة بكلّ فئة حسب مكوّناتها البيئيّة والتّاريخيّة والجغرافيّة ، وقد عدّ أهل الاختصاص مئات الآلاف من اللّغات الّتي تخاطب بها النّاس منذ بدء الخليقة ولم تقتصر اللّغات على الكائن البشريّ بل إنّ الحيوانات وبقيّة الكائنات الطبيعيّة المتحرّكة منها والجامدة لها لغات خاصّة بها لا يعرف مدلولها أحد بالرّغم من مئات المحاولات التحليليّة لقراءتها، ولم يثبت إلى الآن أن تجاوزت قدرة أيّ كان على استيعاب عدد قليل من اللّغات ماعدا سيّدنا آدم عليه الصّلاة والسّلام مصداقا لقوله تعالى :“وعلّم آدم الأسماء كلّها” . وجاء في الخبر أنّ الله تعالى علّمه سبعمائة ألف لغة فلما وقع في أكـل الشّجرة سلبه كافّة اللّغات إلاّ العربيّة. فلمّا اصطفاه بالنّبوءة ردّ عليه جميع اللّغات ، فكان من معجزاته أنّه يتكلّم بجميع اللّغات المختلفة الّتي يتكلّم بها أولاده إلى يوم القيامة من العربيّة والفارسيّة والرّوميّة والسريانيّة واليونانيّة والعبرانيّة والزنجيّة وغيرها . لكن ما هو يقينيّ وقطعيّ أنّ الرّسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بعد أن قال له الله في القرآن الكريم : “وعلّمك ما لم تكن تعلم” . قد أتقن كلّ لغات المخلوقات واختصّه الله بهذه الميزة ليكون صلى الله عليه وسلم في قمم الامتياز والرّفعة والتفرّد في هذا المجال حيث ثبت قرآنا وسنّة وسيرة ونقلا وعقلا أنّ الرّسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ملمّ بكلّ أدوات التواصل بينه وبين الموجودات كلّها ، ونورد في هذه العجالة بعض النّماذج من الإعجاز الإلهيّ لسيّد الوجود عليه الصّلاة والسّلام في قدرته الفريدة على التكلّم بلغات الملائكة والجنّ والشّياطين والحيوانات والجمادات والإنس الّذين يتكلّمون اللّهجات العربيّة المختلفة أو من أصحاب اللّغات الأجنبيّة من الفرس والرّوم والأحباش وغيرهم دون الاحتياج إلى واسطة ولا ترجمان لأنّه بقدر تعدّد الوسائط بقدر ضياع الحقيقة ، وذكر أصحاب السّيرة النبويّة في كتبهم أشياء عديدة تلازم الرّسول العظيم صلى الله عليه وسلم في أغلب الأوقات ، منهم زوجاته وعددهن إحدى عشرة امرأة وأولاده الذّكور الثلاث وبناته الأربع ، وأعمامه الإثنا عشر عمّا، وعمّاته الستّ وخدمه من الأحرار تسعة أشخاص،وعدد كتّابه للوحي وللمكاتيب للملوك والسّلاطين اثنان وأربعون صحابيّا ، والمؤذّنون وعددهم خمسة من الصّحابة،والعشرة المبشّرون بالجنّة وغير ذلك ،ولم يذكر أصحاب كتب السّيرة المترجمين الّذين يقومون بالوساطة اللّغوّية بين الرّسول صلى الله عليه وسلم وبين الّذين يتكلّمون الفارسيّة والقبطيّة والحبشيّة وغير ذلك من الوفود الّتي تأتي لزيارته، وبهذا نعلم أنّ السيّد الأعظم صلى الله عليه وسلم لم يتّخذ المترجمين في حياته لاستغنائه عنهم لأنّه يحذق كلّ اللّغات مصداقا لقوله تعالى“وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما” صدق الله العظيم. غير أنّ اليهود عندما يريدون الحديث مع الرّسول صلى الله عليه وسلم لا يخاطبونه باللّغة العبريّة بل يريدون مكاتبته بلغتهم لأنّهم يعلمون أنّه لا يعرف القراءة والكتابة ويبغون من وراء ذلك تعجيزه. ولأجل هذا الأمر قال سيّدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلّم بالسّريانيّة قال إنّي لا آمن يهود على كتابي فما مرّ بي نصــف شهر حتّى تعلّمت وحـذقت فيــه، فكنت أكتب له صلى الله عليه وسلم إليهم وأقرأ له كتبهم .

يقول الله تعالى في الذّكر الحكيم“وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه” صدق الله العظيم. فخصوصيّة الرّسل أنّ الله اصطفاهم لأقوام مخصوصة بلغة مخصوصة، لكنّ الرّسول الأكرم سيّدنا محمّدا صلى الله عليه وسلم أرسله الله للنّاس كافّة، قال تعالى“قل يا أيّها النّاس إنّي رسول الله إليكم جميعا” صدق الله العظيم فوراء هذا النّداء الصّريح نداء خفيّ : قل يا أيّها النّاس إنّ الله أرسلني بألسنة النّاس جميعا ولغاتهم أبلّغهم دون الحاجة إلى وسيط أو مترجم لأنّ من ثوابت الرّسالات التّبليغ الصّادق ، ومن ثوابت الأمور أنّ الوسائط والمترجمين قد يحرّفون ويغيّرون ، ولأجل هذا حفظ الله رسالة صفيّه صلى الله عليه وسلم من الزّيف والتّبديل بأن جعل تواصله وتخاطبه مع الآخرين مباشرة أحياء كانوا أو أمواتا فقد روى صاحب كتاب نور اليقين في سيرة سيّد المرسلين: أمر عليه السّلام براحلته فشـدّ عليها حتّى قام على شفة القليب( بئر حفره رجل من بني النّجار) الّذي ألقى فيه المشركون فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان أيسرّكم أنّكم كنـتم أطعتم الله ورسوله . فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا؟ فقال عمر يا رسول الله تكلّم أجسادا لا أرواح فيها، فقال والّذي نفس محمّد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، وكذلك قصّة البنيّة الّتي رواها القاضي عياض في كتابه الشّفا، عن الحسن أنّه أتى رجل النّبىء صلى الله عليه وسلم فذكر له أنّه طرح بنيّة له في وادي كذا فانطلق معه إلى الوادي وناداها باسمها يافلانة أجيبي بإذن الله فخرجت وهي تقول لبّيك وسعديك فقال لها إنّ أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردّك عليهما؟ قالت لا حاجة لي فيهما وجدت الله خيرا لي منهما .

وجلس الحبيب صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، وأقرأ سيّدنا عبد الله بن مسعود القرآن، فقرأ رضي الله عنه سورة النّساء إلى أن أدرك قول الحقّ تعالى “فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا”... بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اخضلّت وجنتاه وقال متسائلا يا ربّ هذا على من أنا بين ظهرانيهم فكيف من لم أرهم؟ حقيقة إنّه سؤال محيّر وعسير لكن الإجابة جليّة وميسّرة ، وهي كالآتي – إنّ الاختيار الربّاني لسيّد الوجود صلى الله عليه وسلم حتّى يكون شاهدا على أمّته وشاهدا على غيرها من الأمم وأنبيائها دليل على أفضليّته ورفعة قدره، ودليل على معرفته بجميع من يعرض عليه عمله لأنّ الشّهادة على أمر ما لا بدّ من الإطّلاع عليه وإدراكه وإلاّ أصبحت شهادة غير سليمة، وكذلك دليل على حياته السّرمديّة صلى الله عليه وسلم لأنّه لو غاب حقّا لغاب عنه الإطّلاع على أعمال الأمم ولما تمكّن من الشّهادة عليهم، جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلّى عليّ عند قبري سمعته ومن صلّى عليّ من بعيد أعلمته ، إسناده جيّد ، وجاء في كتاب الخصائص الكبرى الجزء الثاني: أخرج الحارث في مسنده وابن سعد والقاضي إسماعيل عن بكر بن عبد الله المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حياتي خير لكم وموتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم فما كان من حسن حمدت الله عليه وما كان من سيّء استغفرت الله لكم، وهذا دليل على أنّ شهادته صلى الله عليه وسلم هي الشّهادة الكبرى لأنّها شهادته على أمّته وبقيّة أمم الدّنيا بمختلف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم ، فمعرفة لغات المؤمنين ولغات جميع أهل الدّنيا وخبرة خصوصيّاتها هي السّبيل الوحيد الّذي يمكّن الرّسول صلى الله عليه وسلم من الشّهادة على هؤلاء أو لهم، وعلى هذا الأساس فإنّه صلى الله عليه وسلم يفهم جميع لغات الأمم والشّعوب والقبائل، وإنّ أكبر حجّة على ذلك كلّه أنّه ما من أحد قصد الحجّ أو العمرة في البقاع المقدّسة وهم آلاف الملايين من البشر منذ أربعة عشر قرنا إلاّ وزار روضة الحبيب عليه أزكى الصّلاة وأتمّ السّلام، وهؤلاء الآلاف من الملايين يتكلّمون بملايين اللّهجات واللّغات ، وكلّ زائر من هؤلاء لا بدّ من أنّه ملق للتحيّة، ولا بدّ أنّه مصلّ على المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا بدّ وأنّه مسلّم عليه ، ولا بدّ من أنّه يطلب حاجة فهل نظنّ أنّ هؤلاء يخاطبون قبرا أجوف لا يسمع صاحبه ولا يتكلّم ولا يفهم ، بلى إنّهم يخاطبون بآلاف اللّغات واللّهجات من يسمعهم ويعرفهم ويردّ عليهم بنفس لغاتهم ولهجاتهم لأنّه عليه الصّلاة

والسّلام حيّ في روضته. وكذلك أنّه متعلّق بالقرآن الّذي جاء بالآية الكريمة“وإذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها” ولأنّه علّمنا آداب التخاطب والحوار ، ولأنّه علّمنا كيف نستقبل ضيوفنا ولا نردّ رجاء طالب، قال الحافظ السّيوطيّ في كتابه الحاوي للفتاوي في باب: إنباء الأذكياء في حياة الأنبياء: حياة النّبىء صلى الله عليه وسلم في قبره هو وسائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام معلومة عندنا علما قطعيّا بما قام عندنا من الأدلّة في ذلك. وتواترت به الأخبار الدّالة على ذلك، ومن المعلوم أنّه لمّا لم تكن الأرض تخلو من إنس وجانّ وملك يصلّون ويسلّمون على النّبىء صلى الله عليه وسلم في كلّ لحظة وحين من يوم انتقاله إلى الرّفيق الأعلى إلى قيام السّاعة فهو صلى الله عليه وسلم حيّ يردّ على هؤلاء بلغاتهم ولهجاتهم بدون الالتجاء إلى وساطة ولا مترجم .

وكما تعلمون وأنّ السيّد الأعظم صلى الله عليه وسلم بعث مبلّغا ومعلّما فهو في كلّ مقام يقومه أو موطن يشهده يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويشرّع في حادثة ويفتي في نازلة، والأسماع إليه مصغيّة والقلوب لما يرد عليها من قوله واعية، لذا وجب أن يكون خطابه موجّها لجميع القبائل بمختلف لهجاتها، فقد كان صلى الله عليه وسلم أفصح العرب وأعلمهم بلغاتهم. وهذا وليد قوّة في فطرته اللّغويّة الّتي تتميّز عن سائر العرب من قومه وغير قومه على النّحو الّذي اختصّت به ذاته الشّريفة بالوحي من ربّه ، فكأنّه في كلّ لغة من أهلها بل أفصح أهلها ، وليس ذلك بأعجب من مخاطبته وفود العرب بما كان لهم من اللّغات والأوضاع الغريبة الّتي لا تعرفها قريش من لغتها ولا يعرفها بعض العرب عن بعض حتّى قال سيّدنا عليّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمعه يخاطب وفد بني نهد يا رسول الله نحن بنو أب واحد ونراك تكلّم وفود العرب بما لا نفهم أكثره. فقال عليه الصّلاة والسّلام : أدّبني ربّي فأحسن تأديبي . وتتجلّى هذه الخصوصيّة في كتبه الّتي كان يمليها ويبعث بها إلى قبائل العرب يخاطبهم فيها فهو ينفرد بمعرفة الغريب من ألسنة العرب ممّن ليس ذلك في لسانهم من غير تعليم ولا تلقين ولا رواية ، ونستعرض بعض النّماذج من هذه الرّسائل لنعرف الأمر على حقّه : قال أبو عبيد في حديث النّبىء صلى الله عليه وسلم أنّه كتب لوائل بن حجر الحضرمي وقومه: - من محمّد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت بإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة على التّيعة شاة، والتّيمة لصاحبها، وفي السّيوب الخمس، لا خلاط ولا وراط ، ولا شناق ولا شجار، ومن أُجْبِيَ فقد أُرْبِيَ وكلّ مسكر حرام-

الأقيال: ملوك باليمن دون الملك الأعظم-العباهلة: الّذين قد أقرّوا على ملكهم لا يُزالون عنه- التّيعة: الأربعون من الغنم- التّيمة: الشّاة الزّائدة على الأربعين- السّيوب: العطيّة يقال هو من سيب الله وعطائه – الخلاط: الشّياه المخلوطة بين رجلين - الوراط: الخديعة والغشّ- الشّناق: مازاد من الإبل على الخُمُسِ- جُبِيَ: الأجباء بيع الحرث قبل أن يبدو صلاحه .

وروي أنّ النّبىء صلى الله عليه وسلم قال لأبي تيمة الجهيمي: إيّاك والمخيلة فقال يا رسول الله نحن قوم عرب فما المخيلة؟ فقال عليه الصّلاة والسّلام سَبْلُ الإزار. ومرّت الكلمة بعد ذلك على هذا الوضع يراد بها الكبر ونحوه .

وهذه رسالة أخرى جاء فيها : من محمّد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: إنّ لنا الضّاحية من الضّحل ، والبور والمعامي وأغفال الأرض، والحلقة والسّلاح، ولكم الضّامنة من النّخل...والمعين من المعمور بعد الخمس لا تعدل سارحتكم ولا تعدّ قاردتكم ولا يحظر عليكم النّبات، تقيمون الصّلاة لوقتها، وتؤتون الزّكاة بحقّها عليكم بذلك عهد الله وميثاقه .

  • خلع الأنداد: يعني الآلهة الّتي جعلها المشركون لله أندادا- الضّاحيّة : من الضّحل فالضّاحية ماظهر وبرز وكان خارجا من العمارة والضّحل القليل من الماء – البور: الأرض الّتي لم تزرع- المعامي: الأرض المجهولة –الحلقة: السّلاح والدّروع- الضّامنة من النخل: فإن الضّامنة ما كان داخلا في العمارة- المعين: الماء الظّاهر-لا تعدل سارحتكم : لا تصرف عن مرعى تريده- والسّارحة : الماشية التي تسرح وترعى – لا تعدّ قاردتكم: يعني الزّائدة على ما تجب فيه الزّكاة- لا يحظر عليكم النّبات: لا تمنعون من الزّراعة حيث شئتم .

فهذه نبذة يسيرة من غريب اللّغات الّتي كان يعلمها النّبىء صلى الله عليه وسلم دون أن يتلقّاها في مدرسة ولا من أستاذ ، فأستاذه هو الله ومدرسته هي تكريم الله له واصطفاؤُه بـهذه المعجزة الباهرة.

ومن خصائص الرّسول عليه والصّلاة والسّلام أنّه يرى الملائكة والشّياطين والجن ويخاطبهم، وأنزل الله سورة سمّاها : الجنّ: باسمهم يتحدّث فيها عن ايمان الجنّ بالرّسول الكريم عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم والّذين لهم أجسام قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة لها عقول وأفهام وقدرة على الأعمال الشّاقّة.وسمّوا بالجنّ لأنّهم لا يرون ، وأجمع المسلمون قاطبة على أنّ سيّدنا محمّدا صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجنّ والإنس بدليل قوله تعالى“وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون” ويقول أيضا في حقّ الجنّ : وإذْ صرفنا إليك نفرا من الجنّ يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلمّا قضي ولّوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنّا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدّقا لما بين يديه يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم . صدق الله العظيم . وسبب معرفة الجنّ بالرّسول صلى الله عليه وسلم أنّهم كانوا يسترقون السّمع فلمّا حرست السّماء ورموا بالشّهب قال إبليس إنّ هذا الّذي حدث في السّماء لشيء حدث في الأرض فبعث سراياه ليعرف الخبر، فكان أوّلهم ركب نصيبين إلى تهامة وهم أشراف الجنّ فلمّا بلغوا بطن نخلة سمعوا المصطفى صلى الله عليه وسلم يصلّي ويتلو القرآن بصوت جميل حسن للغاية فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجنّ والّذي آذنه بهم شجرة فتحدّث معهم . وأوّل من أسلم من الجنون سبعة وهم : حسى ومسى وشاصر وماصر وسرق والأحقم و الأردوانيان: وانصرف السّبعة من بطن نخلة جاءوا الى قومهم منذرين، ثمّ جاءوا مع قومهم وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكّة المكرّمة وهم ثلاثمائة فانتهوا إلى الحجون. فجاء واحد من أولئك النّفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنّ قومنا قد حضروا بالحجون يلقونك فوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة من اللّيل، وجاءه في المرّة الثّالثة وفد من الجنون يتألّف من إثني عشر ألف فأسلموا على يديه، وكان الرّسول صلى الله عليه وسلم يصلح بين الجنون مسلمهم وكافرهم عندما تقع بينهم بعض الخلافات وذلك بدون واسطة ولا ترجمان. جاء عن بلال بن الحارث رضي الله عنه قال نزلنا مع النّبىء صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره بالعرج فتوجّهت نحوه فلمّا قاربته سمعت لغطا وخصومة رجال لم أسمع لغة أحد من ألسنتهم فوقفت حتى جاء النّبىء وهو يضحك فقال أختصم إليّ الجنّ المسلمون والجنّ المشركون وسألوني أن أسكنهم فأسكنت المسلمين : الجلس، وأسكنت المشركين: الغور، وكلّ مرتفع من الأرض جَلَسٌ ونجدٌ .وكلّ منخفض غور، وكان النّبىء صلى الله عليه وسلم يحاور قرينه من الجنّ الّذي يلازمه لكن لا يقول له إلاّ الخير .جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ النّبىء صلى الله عليه وسلم قال: ما منكم من أحد إلاّ وقد وكّل به قرينه من الجنّ قالوا وإيّاك يا رسول الله؟ قال وايّاي إلاّ أنّ الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلاّ بخير، ويبدو وأنّ لغة التّخاطب بين الرّسول صلى الله عليه وسلم وبين الجنون هي اللّغة العربيّة بدليل فهمهم للقرآن الكريم الّذي سمعوه من سيّدنا محمّد عند تلاوته في الصّلاة حيث يقول الحقّ تبارك وتعالى:

قالوا يا قومنا إنّا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدّقا لما بين يديه يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم -صدق الله العظيم- .
وروي أنّ سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لسواد بن قارب كيف كان بدء إسلامك؟ قال نعم يا أمير المؤمنين بينما أنا ذات ليلة بين النّائم واليقظان اذ أتاني رَئِيِّ وضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنّه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى الله عزّ وجلّ وإلى عبادته ثمّ أنشأ يقول :


عجبت للجـنّ وتطــلابــــــــــها        وشدّها العــيس بأقتابـــها
تهوي إلى مكّة تبغي الهـــــدى         ما صـادق الجنّ ككذّابها
فارحل إلى الصّفوة من  هاشم         ليس قدمــاها كأذنابـــها

فقلت دعني أنام فإنّي أمسيت ناعسا ولم أرفع بما قال رأسا فلمّا كانت اللّيلة الثّانية أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنّه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى الله عزّ وجلّ وإلى عبادته ثمّ أنشأ يقول :

عجبت للجن وتخـــبارهـــــــــا        وشدّها العيس بأكوارهــا
تهوي إلى مكّة تبــغي الهـدى        ما مؤمن الجنّ  ككفّارهــا
فارحل إلى الصّفوة من هاشم        بين روابيها و أحجارهـــا

فقلت دعني أنام فإنّي أمسيت ناعسا ولم أرفع بما قال رأسا فلمّا كانت اللّيلة الثّالثة أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنّه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى الله عزّ وجلّ وإلى عبادته ثمّ أنشأ يقول :

عجبت للجنّ وتجساســهـــــــا        وشدّها العيــس بأحلاسها
تهوي إلى مكّة تبــغي الــهدى        ما خيّر الجنّ كأنجـــاسها
فارحل إلى الصّفوة من هاشم        واسمُ بعينك إلى رأســـها

فقمت فقلت امتحن الله قلبي فرحلت ناقلتي حتى أتيت مكّة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله فلمّا رآني قال مرحبا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ماجاء بك فقلت يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمع مقالتي فقال هات فأنشأت أقول :

أتاني رئيي بعد ليل وهجعــــــــــة        ولم أك فيما بلوت بــــــــــــكاذب
ثلاث ليال قوله كلّ ليــــــــــــــــلة        أتاك رسول من لؤيّ بن غالــــــب
فشمّرت عن ذيل الإزار ووسّطت        بي الذعلب الوجناء بين السّباسب
فأشهد أنّ الله لا ربّ غيــــــــــره        وأنّك مأمون على كلّ غاــــــــــئب
وأنّك أدنى المرسلين وسيــــــلة        إلى الله يا ابن الأكرمين الأطاـــيب
فمرنا بما يأتيك ياخير مرســــــل        وإن كان فيما جاء شيب الذّوائــب
وكن لي شفيعا يوم لاذو شفاعة         سواك بمغن عن سواد بن قــارب

ففرح النّبىء صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتّى رؤي الفرح في وجوههم ، وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى بدت نواجذه وقال أفلحت ياسواد ، قال البراء فرأيت عمر رضي الله عنه إلتزمه وقال لقد كنت أشتهي أن اسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك رئيك اليوم؟ فقال منذ قرأت القرآن فلا، ونعم العوض كتاب الله تعالى من الجنّ.

ومّما أكرم الله به سيّد الوجود صلى الله عليه وسلم حواره مع القمر حسب رواية سيّدنا العبّاس رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله دعاني إلى الدّخول في دينك إمارة لنبؤتك رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك فحيث أشرت إليه مال. قال إنّي كنت أحدّثه ويحدّثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته

حين يسجد تحت العرش ، وذكر ابن سبع أنّ مهده صلى الله عليه وسلم كان يتحرّك بتحريك الملائكة له ، ولغة التخاطب بين القمر وبين الرّسول عليه الصّلاة والسّلام مجهولة عند جميع المخلوقات إلاّ عند سيّد المرسلين كان يسمع القمر عندما يخاطبه ويفهمها ويردّ عليها بدون واسطة ولا ترجمان ، ويأتي دور البراق الّذي استقلّه الرّسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى القدس الشّريف في ليلة الإسراء والمعراج وسمّي البراق براقا لشدّة بريقه وقيل لسرعته فهو كالبرق ، حيث قدّمه سيّدنا جبريل عليه السّلام للمصطفى العظيم ليركبه فنفر فقال له جبريل أما تستحي من محمّد فو الّذي نفسي بيده ما ركب على ظهرك أفضل منه، فقال البراق هذا النّبىء العربيّ؟ قال نعم قال هذا صاحب الحوض المورود؟ قال نعم قال هذا قائد الغرّ المحجّلين؟ قال نعم قال هذا الشّفيع في القيامة؟ قال نعم فعند ذلك خضع له وقال اركب ياسيّد المرسلين ولكن لي إليك حاجة أن لا تنساني من شفاعتك يوم القيامة ، فلمّا أراد الرّكوب بكى فسأله جبريل عن ذلك فقال تذكّرت أمّتي هل يركبون يوم القيامة؟قال نعم يوم نحشر المتّقين إلى الرّحمان وفدا . يعني ركبانا فعند ذلك اندفع الكرب عن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهنا يتساءل الإنسان هل يوجد ترجمان بين الرّسول صلى الله عليه وسلم وبين البراق أثناء الحديث بينهما؟ والجواب لا يوجد مترجم مطلقا وفهم كلّ واحد حديث الآخر بغاية اليسر والسّهولة .

أضف إلى ذلك الأحاديث المتواترة حول الحوار بين الرّسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وبين الإبل حسبما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وأبو نعيم عن عبد الرّحمان بن جعفر رضي الله عنهما قال دخل النّبىء صلى الله عليه وسلم حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلمّا رأى النّبىء صلى الله عليه وسلم حنّ إليه وذرفت عيناه فقال صلى الله عليه وسلم من ربّ هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال هو لي فقال عليه الصّلاة والسّلام ألا تتّقي الله في هذه البهيمة الّتي ملّكك الله إيّاها؟ فإنّه شكا إليّ أنّك تجيعه وتُدْئِبُهُ ، وأخرج ابن سعد عن الحسن البصري قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده إذ أقبل جمل نادّ حتىّ وضع رأسه في حجر النّبىء صلى الله عليه وسلم وجرجر فقال النّبىء صلى الله عليه وسلم إنّ هذا الجمل يزعم أنّه لرجل وأنّه يريد أن ينحره في طعام عن أبيه الآن فجاء يستغيث ،ثمّ أتى صاحبه فسأله فأخبره أنّه يريد ذلك فطلب إليه النّبىء صلى الله عليه وسلم أن لا ينحره ففعل .

ويأتي دور العضباء وهو اسم ناقة النّبىء صلى الله عليه وسلم ومعناه مشقوقة الأذن. وذلك أنّه صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة فمرّ بناقة باركة في الدّار فقالت السّلام عليك يا نبيّ الله يازين القيامة يا رسول ربّ العالمين فالتفت إليها وقال وعليك السّلام، فقالت إنّي كنت لرجل من قريش يقال له أعضب فهربت منه فوقعت في مفازة فكان إذا غشيني اللّيل احتوشني السّباع ينادي بعضها بعضا لا تؤذوها فإنهّا مركب محمّد. فإذا أصبحت رتعت نادتني كلّ شجرة إليّ إليّ فإنّك مركب محمّد حتىّ وقعت ههنا فسمّيت عضباء باسم صاحبها، وفيه أنّها قالت له صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يجعلني مركبك في الجنّة فقال قد قضيت، وإنّها لم تأكل ولم تشرب بعد موته صلى الله عليه وسلم حتىّ ماتت من الحزن على فراقه صلى الله عليه وسلم.

وتعالوا معي نستمع إلى هذا الحوار الطّريف بين الرّسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وبين جذع النّخل مباشرة بدون واسطة ولا ترجمان ، يقول التّاج السّبكي حنين الجذع متواتر لأنّه ورد عن جماعة من الصّحابة إلى نحو العشرين من طرق صحيحة كثيرة تفيد القطع بوقوعه، أخرج البخاري عن جابر أنّ النّبىء صلى الله عليه وسلم كان يقوم إلى نخلة فجعلوا له منبرا فلمّا كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النّخلة صياح الصبيّ الّذي يُسكّن، كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذّكر عندها ، وأخرج الدّارمي من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان النّبىء صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فاتّخذ له منبرٌ فلمّا فارق الجذع وعهد إلى المنبر الّذي صنع له جزع الجذع فحنّ كما تحنّ النّاقة فرجع النّبىء صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه وقال اختر أن أغرسك في المكان الّذي كنت فيه فتكون كما كنت وإن شئت أن أغرسك في الجنّة فتشرب من أنهارها وعيونها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل أولياء الله من ثمرتك فسمع النّبىء صلى الله عليه وسلم وهو يقول له نعم قد فعلت مرّتين فسئل النّبىء صلى الله عليه وسلم فقال اختار أن أغرسه بالجنّة، وسؤال الصّحابة الرّسول صلى الله عليه وسلم عن كلام الجذع له لأنّهم لم يفهموا شيئا من كلام الجذع حتىّ بيّن لهم الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ما قاله لأنّه يفهم لغة الجذع من النّخل . وكذلك يفهمه الجذع بدون مترجم ولا واسطة ، وأخرج الإمام أحمد حديث حنين الجذع عن أنس رضي الله عنه وفي آخره أنّه سمع الخشبة تحنّ حنين الواله ( الذي اشتدّ حزنه) قال فمازالت تحنّ حتّى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكتت ، فكان الحسن البصري اذا حدّث بهذا الحديث بكى ثمّ قال يا عباد الله الخشبة تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا لمكانها من لقيه. فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه صلى الله عليه وسلم قال الشّاعر الحكيم في حقّ حنين الجذع :

وحنّ إليه الجذع شوقا ورقّة        ورجع صوتا كالعشار مــــردّدا
فبادره ضمّا فقرّ لوقــــــــــته        لكلّ امرىء من دهره ما تعوّدا

وقال الشّاعر أيضا

وألقى حتّى في الجمادات حبـــّه        فكانت لإهداء السّلام له تــهدي
وفارق جذعا كان يخطب عــنده        فأنّ أنين الأمّ إذ تجد الفــــــــقدا
يحنّ إليه الجذع ياقوم هكــــــذا        أما نحن أولى أن نحنّ له وجدا
إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة       فليس وفاء أن نطيق له بــــعدا

ويخاطب الرّسول صلى الله عليه وسلم الجدي المشويّ بلغة لم يسمعها ولم يفهمها إلاّ المصطفى العظيم عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم حفاظا عليه وعلى صحّته ، وكان هذا الحديث بدون مترجم ولا واسطة ، أخرج أبو نعيم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال لماّ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر من قتال المشركين وهو جائع استقبلته امرأة يهوديّة على رأسها جفنة فيها جدي مشويّ فقالت الحمد لله يا محمّد الّذي سلمت كنت نذرت لله نذرا إن قدمت المدينة سالما لأذبحنّ هذا الجدي... ولأشوينّه ولأحملنّه إليك لتأكل منه، فأنطق الله الجدي فقال يا محمّد لا تأكلني فإنيّ مسموم ، وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ امرأة من اليهود أهدت إلى النّبىء صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فقال لأصحابه امسكوا فإنّها مسمومة ، فقال ما حملك على ما صنعت؟ قالت أردت أن أعلم إن كنت نبيّا فسيطلعك الله عليه . وإن كنت كاذبا أريح النّاس منك، فما عرض لها .

ومثل محاورة الجدي المشويّ للرّسول العظيم صلى الله عليه وسلم كذلك يحاوره الحمار ويتحادث معه بلا واسطة وبدون ترجمان ويرسله إلى الصّحابة لطلبهم فيمتثل لأمر الرّسول عليه الصّلاة والسّلام فيعرف أسماءهم ومنازلهم، ويأتي إلى منزل الصّحابيّ الّذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ولا يخطئ في اسم شخص ولا في منزله مطلقا .أخرج ابن عساكر عن ابن منظور قال لمّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أصاب فيها حمارا أسود فكلّم رسول الله عليه الصّلاة والسّلام الحمار فكلّمه الحمار، فقال له النّبىء صلى الله عليه وسلم ما اسمك؟ قال يزيد بن شهاب أخرج الله من نسل جدّي ستّين حمارا كلّهم لا يركبه إلاّ نبيّ، وقد كنت أتوقّعك أن تركبني فلم يبق من نسل جدّي غيري ولا من الأنبياء غيرك، قد كنت قبلك لرجل يهوديّ وكنت أتعثّر به عمدا وكان يجيع بطني ويضرب ظهري . فقال له النّبىء صلى الله عليه وسلم أنت يعفور، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث به إلى باب الرّجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه ،فإذا خرج إليه صاحب الدّار أومأ إليه أن أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فلمّا قبض النّبىء عليه الصّلاة والسّلام جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التّيهان فتردّى فيها جزعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان الرّسول الأكرم صلى الله عليه وسلم يخاطب عذق النّخلة بلغته بدون ترجمان بينهما ولا واسطة لأنّه عليه الصّلاة والسّلام علّمه الله ما لم يعلم ، فمن ذلك ما رواه البخاري في تاريخه والبيهقي والدّارمي والترمذي بسند صحيح عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال جاء أعرابيّ إلى النّبىء صلى الله عليه وسلم فقال بم أعرف أنّك رسول الله ؟ فقال إن دعوت هذا العذق من هذه النّخلة أتؤمن بي ؟ قال نعم فدعاه فجعل ينقز أي يثب حتّى أتاه فقال ارجع فعاد إلى مكانه، فأسلم الأعرابيّ . وفي رواية فجعل ينـزل من النّخلة شيئا فشيئا حتىّ سقط على الأرض فأقبل وهو يسجد ويرفع حتىّ انتهى إلى النّبىء صلى الله عليه وسلم ثمّ قال له ارجع فعاد.فأسلم الأعرابيّ ،وقال أشهد أنّك رسول الله . والمراد من العذق العرجون بما فيه من الشماريخ ، ومن خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ المنبر الّذي يخطب عليه كان يتحرّك عندما يسـمع المصطفى عليه الصّلاة والسّلام يتلو القرآن ، أخرج الحاكم وصحّحه عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال حدّثتني عائشة أنّها سمعت السّيد الأعظم صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر هذه الآية “وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسّماوات مطويّات بيمينه” قال يقول أنا الجبّار أنا أنا ويمجّد الربّ نفسه فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم منبره حتىّ قلنا ليخرنّ ، وأخرج أحمد ومسلم والنّسائي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت النّبىء صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول يأخذ الجبّار سماواته وأرضه بيده ثمّ يقول أنا الجبّار أين الجبّارون أين المتكبّرون؟ ويتميّل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن يساره حتى نظرت إلى المنبر يتحرّك من أسفل شيء منه حتىّ إنّي أقول أساقط هو برسول الله عليه الصّلاة والسّلام ومن جملة الأشياء التي اختصّ الله بها رسوله العظيم عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم هي معرفة الحجر له عندما كان يمرّ به ويسلّم عليه ولا يسلّم على أحد من النّاس الّذين كانوا يمرّون به ، وأخرج مسلم والطيالسي والترمذي والبيهقي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنّ بمكّة لحجرا كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث إنّي أعرفه الآن ،قال بعضهم هو الحجر الأسود وقال آخرون هو غيره يعرف بزقاق الحجر وبزقاق المرفق بمكّة والنّاس يتبرّكون به ، ويقولون إنّه هو الّذي كان يسلّم على النّبىء صلى الله عليه وسلم متى اجتاز به .

وكان النّبىء صلى الله عليه وسلم يرسل المبعوثين بالرّسائل إلى الملوك والسّلاطين الّذين لا يتكلّمون العربيّة فإذا سلّم لأحد الصّحابة رسالة إلى ملك الفرس مثلا فبمجرّد ما يتسلّم الصّحابيّ تلك الرّسالة من سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام يلقي الله في قلبه وعقله لغة الفرس ويتكلّم بها إذا جاء إلى ملك الفرس ولا يحتاج إلى ترجمان لأنّه وقتها مبعوث سيّدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعدما تنتهي مهمّته ينسى تلك اللّغة ولا يحذقها قال ابن أبي شيبة في المصنّف حدّثنا حاتم بن اسماعيل عن يعقوب عن جعفر بن عمرو قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة نفر إلى أربعة وجوه رجلا إلى كسرى ، ورجلا إلى قيصر، ورجلا إلى المقوقس، وبعث عمرو بن أميّة إلى النّجاشي فأصبح كلّ رجل منهم يتكلّم بلسان القوم الّذين بعث إليهم ، وأخرج ابن سعد عن بريدة والزهري ويزيد بن رومان والشعبي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عدّةً إلى عدّةٍ وأمرهم بنصح عباد الله فأصبح الرّسل كلّ رجل منهم يتكلّم بلسان القوم الّذين أرسل إليهم ، فذكر ذلك للنّبىء صلى الله عليه وسلم فقال هذا أعظم من حقّ الله عليهم في أمر عباده .

وهذا حوار بين الرّسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وبين الضبّ الّذي هو حيوان من الزّواحف يعيش في الصحراء صراحة على مرأى ومسمع من الصّحابة وغيرهم ، وهي من المعجزات الّتي بقيت خالدة على ممرّ الزّمان وهي لا تحتاج إلى ترجمان لأنّها قيلت بالعربيّة الفصحى .
روى الدارقطني من حديث عمر بلفظ أنّ النّبىء صلى الله عليه وسلم كان في محفل من أصحابه إذ جاءه أعرابيّ من بني سليم قد صاد ضبّا وجعله في كمّه ليذهب به إلى رحله ليأكله، فقال على من هذه الجماعة؟ فقالوا على هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ فشقّ النّاس ثمّ أقبل على النّبىء صلى الله عليه وسلم فقال يا محمّد ما اشتملت النّساء على ذي لهجة أكذب منك ولا أبغض لك منّي ولولا أن يسمّوني قومي عجولا لعجّلت عليك فقتلتك فسررت بقتلك النّاس جميعا، قال عمر بن الخطّاب يا رسول الله دعني أقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر أما علمت أنّ الحليم كاد أن يكون نبيّا، ثمّ أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال واللاّت والعزّى لا آمنت بك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أعرابيّ ما حملك على الّذي قلت وما قلت غير الحقّ ولم تكرم مجلسي؟ فقال وتكلّمني أيضا استخفافا برسول الله صلى الله عليه وسلم ،واللاّت والعزّى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضبّ ، فأخرج الضبّ من كمّه وطرحه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن آمن بك هذا الضبّ آمنت بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ضبّ تكلّم بإذن الله فتكلّم الضبّ بلسان عربيّ مبين يفهمه القوم جميعا لبّيك وسعديك يا رسول ربّ العالمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ضبّ من تعبد؟ قال الّذي في السّماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنّة رحمته، وفي النّار عذابه، قال فمن أنا يا ضبّ؟ قال أنت رسول ربّ العالمين، وخاتم النبيئين قد أفلح من صدّقك، وقد خاب من كذّبك ، فقال الأعرابيّ أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّك رسول الله حقّا ، والله لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أبغض إليّ منك، والله لأنت السّاعة أحبّ إليّ من نفسي ومن ولدي ، وقد آمنت بك بشعري، وبشري، وداخلي وخارجي، وسرّي وعلانيّتي، فقال له النّبىء صلى الله عليه وسلم الحمد لله الّذي هداك إلى هذا الدّين الّذي يعلو ولا يعلى عليه لا يقبله الله إلاّ بصلاة ولا يقبل الصّلاة إلاّ بقرآن، فعلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة والإخلاص وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت في البسيط ولا في الرّجز أحسن من هذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ هذا كلام ربّ العالمين وليس بشعر ،فإذا قرأت قل هو الله أحد فكأنّما قرأت ثلث القرآن ، وإذا قرأتها مرّتين فكأنّما قرأت ثلثي القرآن ، وإذا قرأتها ثلاث مرّات فكأنّما قرأت القرآن كلّه فقال الأعرابيّ نعم الإله إلهنا يقبل اليسير ويعطي الجزيل ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوا الأعرابيّ فأعطوه حتى أبطروه فقام عبد الرّحمان بن عوف فقال يا رسول الله إنّي أريد أن أعطيه ناقة أتقرّب بها إلى الله دون البختي وفوق العرابي وهي عشراء تلحق ولا تلحق أهديت إليّ يوم تبوك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصفت ما تعطي فأصف لك ما يعطيك الله جزاء، قال نعم قال لك ناقة من درّة جوفاء قوائمها من زبرجد أخضر وعنقها من زبرجد أصفر عليها هودج وعلى الهودج السّندس والإستبرق تمرّ بك إلى الصّراط كالبرق الخاطف فخرج الأعرابيّ من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه ألف أعرابيّ على ألف دابّة وألف رمح وألف سيف فقال لهم أين تريدون؟ فقالوا نقاتل هذا الّذي يكذب ويزعم أنّه نبيّ فقال الأعرابيّ إنّي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله، فقالوا صبوت فقال صبوت وحدّثهم الحديث فقالوا بأجمعهم نشهد أن لاإله إلا الله ونشهد أنّ محمّدا رسول الله، فبلغ ذلك النّبىء صلى الله عليه وسلم فتلقّاهم بلا رداء فنزلوا على ركبهم يقبّلون يديه وما ولّوا منه إلاّ وهم يقولون لا إله إلا الله محمّد رسول الله، فقالوا مرنا بأمر تحبّه يا رسول الله قال تكونون تحت راية خالد بن الوليد ، قال فليس أحد من العرب آمن منهم ألف رجل إلاّ هؤلاء من بني سليم .

وأختم خلاصة بدون واسطة ولا ترجمان بالختام المسك الّذي هو مخاطبة الله جلّ علاه لرسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم مباشرة في ليلة الإسراء والمعراج وهذا شرف عظيم لم ينله أحد من المخلوقين إلاّ سيّدنا رسول الله عليه أفضل الصّلاة وأزكى السّلام ، يقول صلى الله عليه وسلم فلمّا رأيت العرش وجدته أوسع من كلّ شىء فقرّبني عزّ وجلّ إلى مسند العرش ونزلت قطرة من العرش فوقعت على لساني فما ذاق الذّائقون أحلى منها فأنبأني الله عزّ وجلّ نبأ الأوّلين والآخرين وأطلق لساني بعد كلاله من هيبة الله فقلت التّحيّات لله والصّلوات والطّيبات فقال الله عزّ وجلّ ثناؤه السّلام عليك أيّها النّبئ ورحمة الله وبركاته فقلت السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين ، فقال لي ربيّ عزّ وجلّ يا محمّد اتّخذتك حبيبا كما اتّخذت إبراهيم خليلا، وكلّمتك كما كلّمت موسى تكليما وجعلت أمّتك خير أمّة أخرجت للنّاس وجعلتهم أمّة وسطا وجعلتهم الأوّلين والآخرين فخذ ما آتيتك وكن من الشّاكرين. ثمّ أفضى إليّ أمورا لم يؤذن لي أن أخبركم، فلمّا عهد إليّ بعهده وتركني ما شاء الله قال لي ارجع الى أمتّك وبلّغهم عنيّ ، قال العلماء إذا قال العبد التّحيات لله حيّاه أهل السّماوات والأرض، وإذا قال الصّلوات تقبّل الله صلاته ، وإذا قال الطيّبات كان بريئا من الشّرك والشّك ، وإذا قال السّلام عليك أيّها النّبئ ورحمة الله وبركاته كتب الله له عشر حسنات، وإذا قال السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين كتب الله له بكلّ مؤمن و مؤمنة حسنة ، وإذا أتى بالشّهادتين كتب الله له براءة من النّار.

وجاء في رواية أخرى فإذا النّداء من العليّ الأعلى ادن يا خير البريّة أدن يا أحمد ، أدن يا محمّد فأدناني ربّي حتىّ كنت كما قال عزّ وجلّ “ثمّ دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى” ثمّ دنا محمّد صلى الله عليه وسلم من ربّه سبحانه وتعالى أي قرب منزلة وتشريف لا قرب مكان تعالى الله عزّ وجلّ عن ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم وسألني ربّي فلم أستطع أن أجيبه عزّ وجلّ فوضع يده سبحانه وتعالى بين كتفيّ بلا تكييف ولا تحديد أي يد قدرته تعالى لأنّه سبحانه منزّه عن الجارحة فوجدت بردها فأورثني علم الأوّلين والآخرين وعلّمني علوما شتىّ .فعلم أخذ عليّ كتمانه إذ علم أنّه لا يقدر على حمله غيري، وعلم خيّرني فيه، وعلم أمرني بتبليغه إلى العامّ والخاصّ من أمّتي وهي الإنس والجنّ والملائكة ، وإنّه صلى الله عليه وسلم نظر عن يمينه فرأى ربّه ونظر عن يساره فرأى ربّه، ونظر أمامه فرأى ربّه، ونظر فوقه فرأى ربّه، ونظر خلفه فرأى ربّه، فكره الانصراف من هذا المقام الشّريف فعلم الله ذلك منه فقال يا محمّد أنت رسولي إلى عبادي ولو دمت في هذا المقام ما بلّغت رسالتي فانزل إلى الأرض وبلّغ رسالتي لعبادي وحيثما قمت إلى الصّلاة أعطيتك هذه المرتبة فلذلك قال وقرّة عيني في الصّلاة. قال الإمام النّسفي ، قال الله تعالى لمحمّد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج يا شاهد قد شهدت لي فاشهد عليّ ، قـال يا ربّ بم أشهد عليك ؟ قال اشهد عليّ أنّ من جاءني بشهادة أن لا اله إلا الله وأنّك عبدي ورسولي قد غفرت له كلّ ذنب في سرّه وجهره، وجاء عن ابن عبّاس رضي الله عنهما عن النّبىء صلى الله عليه وسلم قال: اللّهم أغفر لي ولمن شهد لي بالبلاغ والرّسالة، وارحمني وارحم من شهد لي بالبلاغ ولك بالتوحيد، قال القرطبي في سورة الإنعام ، اجتمع ابن عبّاس وأبيْ بن كعب رضي الله عنهم فقال ابن عبّاس أمّا نحن بنو هاشم فنقول إنّ محمّدا صلى الله عليه وسلم رأى ربّه مرّتين ثمّ قال ابن عبّاس أتعجبون أنّ الخلّة لإبراهيم ، والكلام لموسى، والرؤية لمحمّد صلى الله عليه وسلم فكبّر أبيّ بن كعب تكبيرة حتىّ جاوبته الجبال ، وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنا أقول بما قاله ابن عبّاس، رآه بعينيه رآه بعينيه حتىّ انقطع نفس الإمام أحمد ، وأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم رأى الحقّ سبحانه وتعالى ليلة المعراج مرّتين مرّة في قاب قوسين ومرّة عند سدرة المنتهى ولا مانع من ذلك، ولعلّ ذلك هو المعنيّ بقول الخصائص الصّغرى ، وخصّ صلى الله عليه وسلم برؤيته للباري عزّ وجلّ مرّتين، وفيها جمع له بين الكلام والرؤية وكلّمه عند سدرة المنتهى ، وكلّم موسى بالجبل ، وجاء في رواية أخرى أنّه صلى الله عليه وسلم لمّا رأى الحقّ سبحانه وتعالى خرّ ساجدا، قال صلى الله عليه وسلم فأوحى الله عزّ وجلّ إليّ ما أوحى وإنّ من جملة ما أوحى إليّ أنّ الجنّة حرام على الأنبياء حتىّ تدخلها يا محمّد ، وعلى الأمم حتىّ تدخلها أمّتك ، قال القشيري وأوحى إليه خصّصتك بحوض الكوثر فكلّ أهل الجنّة أضيافك بالماء ولهم الخمر واللّبن والعسل .

قال شرف الدّين عيسى السهروردي رحمه الله لمّا ركب النّبىء صلى الله عليه وسلم الرّفرف من النّور الأزهر تقدّم هو وجبريل تأخّر، فزجّ في الأنوار ورفعت له الأستار، وسمع كلام الجبّار، يا عروس المملكة ويا تاج منصّة الوجود، ويا شمس الهداية والسّعود، أنت أكرم النّاس علينا، سلْ ما تريد فمنك السّؤال ومنّا العطاء وما على عطائنا مزيد، فقال النّبىء صلى الله عليه وسلم ما الّذي أسأل وقد أسجدت لآدم الملائكة واصطفيته وزوّجته حوّاء وفي الجنّة أسكنته ، فجاءه الخطاب يا محمّد لولا ما أشرق عليه نورك الّذي تقادم ما قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، قال إلهي ما الّذي أطلب وقد جعلت إدريس نبيّا، ورفعته مكانا عليّا، فجاءه الخطاب بالجواب إنمّا رفع إدريس إلى السّماء لينظر إليك، ويسير في هذه اللّيلة بين يديك ، قال إلهي ما الّذي أطلب وقد استجبت دعوة نوح على أهـــل الطغيان، ونجّيته في السّفينة من الطوفان ،فقال لولا أنّه أقسم علينا بجاهك ما نجا هو ومن معه من المهالك، سل تعط قال إلهي ما الّذي أطلب وقد اصطفيت إبراهيم خليلا، وجعلت النّار عليه بردا وسلاما، وفديت ابنه بذبح عظيم ، فجاءه النّداء يا أعزّ المخلوقات، ويا أشرف الموجودات، لولا ما أشرق عليهما من نور وجهك الكريم، ما نجا إبراهيم من نار النمرود، ولا فدي ابنه بذبح عظيم ، أدع تجب قال سيّدي وما الّذي أدعو وقد جعلت موسى كليما، وكرّمته تكريما، فجاءه النّداء يا أكرم من تمنىّ ،يا صاحب قاب قوسين أو أدنى ، موسى هدي في السّير بالنّار ،وخوطب على جبل ذي أحجار، وأنت خوطبت على بساط الأنوار في حضرة الملك الغفّار ، قل تسمع قال إلهي ما الّذي أقول وقد ألنت الحديد لداود ، وسيّرت معه الجبال ، وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فجاءه النّداء يا أعلى موجود سأسيّر معك جبال النّصر والرّعب في الوجود ، وألين لك قلوبا كالجلمود وأخصّك يوم القيامة بالمقام المحمود، سل تعط فقال إلهي ما الّذي أسألك وقد أيّدت عيسى بروح القدس، وأظهرت له المعجزات يبرىء الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذنك، فجاءه النّداء أنت طبيب تداوي أمراض الذّنوب ،وتحي بك أموات القلوب ، قال ياربّ فاقبل شفاعتي في عصاة أمّتي فجاءه الخطاب يا أعزّ الأحباب ،وعزّتي وجلالي إن عصوني سترتهم، وإن استغفروني غفرت لهم ، وإن استنصروني نصرتهم وإن دعوني أجبتهم،ولأسامحنّهم بما مضى، ولأجودنّ عليهم بالرّضا ، انتهى .

قال النّبىء صلى الله عليه وسلم احتجب الله عن أهل السّماء كما احتجب عن أهل الأرض ، واحتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار ، وانّه تعالى ما حلّ في شيء ولا غاب عن شيء، وإنّ الملأ الأعلى يطلبون الله تعالى كما تطلبونه أنتم ،

هذا النّبىء الهاشميّ محمّـــــــد             هذا هو المدّثر المزّمــــــــــــــل
هذا حبيب الله هذا أحمـــــــــــــد             هذا النّذير الأبطحيّ المرســــل
هذا الّذي شرّع الشرائع للورى             هذا الّذي هو في البريّة يعـــــدل
هذا الّذي ركب البراق ميمّمــــا             نحو الإله فمن لهذا يعـــــــــــــدل
صلّى عليه الله ماهبّت صبــــــا              وغدا السّحاب إلى القيامة يهطل

اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّـدنا ومولانا محمّد ، وعلى آل سيّدنا محمّد جامع التّحيّات للواصلين ، وقبلة الرّحمات للحائرين ، ومحراب الطّاعات للعابدين .

وفي هذا القدر كفاية ،والله يتولاّنا وإيّاكم بعين الرّعاية .

وسلام عليكم قولا من ربّ رحيم




أرسل رسالة

Facebook