الصفحة الاساسية > الشيخ حياته وآثاره > مؤلفات الشيخ سيّدي محمّد المنور المدني > دراسات وومضات > الرجاء في الله

الرجاء في الله

الاثنين 22 أوت 2011, بقلم المدني

كل اصدارات هذا المقال: [عربي] [français]


بسم الله الرّحمن الرّحيم

والصّلاة والسلامُ على المُتوجِّهِ لِربّه على جَنَاحَيْ الشَّوق والرَّجَاء، السائرِ إلَيه على رَفْرف العِشق بالنّور مُتَوّجًا، وعَلَى صَحابته وآلِهِ أفضلِ مَن أفْلحَ ونَجَا.

مِن بَين مَقامَات الإيمان العَالية التي تَتّجه إليها الهِممُ مَقامُ الرَّجَاء. وعَرَّفَه علماءُ اللّسان بكونه الأملَ أي نَقيض اليأس، وهو توقّعُ الخَير وحُسن الظنّ بالله. وقد وردَ ذكرُ الرَّجاء في كلام الله العزيز أكثرَ من سبعَ عشرةَ مرّةً ومن بَينِ الآيات البَيّنات فيه قَولُه تعالى: “فَمَن كَانَ يَرجو لقاءَ رَبّه فَليعملْ عَملاً صالحًا ولا يُشركْ بعبَادَةِ ربّه أحدًا” ومنها قَولُه عَزَّ مِنْ قائلٍ: “مَن كانَ يَرجو لقاءَ الله فإنَّ أجلَ اللهِ لَآتٍ”، وقولُه تَعالى: “لَقد كان لكم في رسول الله إِسْوةٌ حَسنَةٌ لمن كانَ يرجو اللهَ واليومَ الآخرَ وذَكَرَ اللهَ كثيرًا”.

كما وَرَدَ ذكرُ هَذَا المَقام صريحًا في الحديث الذي رواهُ أَنَسُ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: “كَيْفَ تَجِدُكَ؟” قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرْجُو اللَّهَ وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ [1]”.

وأوّل ما يُؤخذُ مِنَ هذا الحَديث الجامع هو زيارة النّبيّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأصْحابه وحنّوُه عَلَيْهم في أوقات شدّتِهم حَتَّى يُثَبِّتَ في قلوبهم الإيمانَ وذلكَ لحرصه عَليهم رَغمَ ثقل أعباء الرسالة وكثرة انشغاله بِرَبّه وتفانيه في الدعوة إليه. ولئن نفذَ قضاء الله في أَجَلِ ذلك الصحابي الشابّ فإنَّ بَركة هذه الزيارة تَظهر آثارُهَا في الشِّفَاء القلبيّ الذي تجَلَّى في الدَّرر التي أجراها الله على لِسَانِه وفي الرَّجَاء واليقين الّلَذَيْنِ ملآ أرْجَاءَ قَلْبه وهو يُعالِج سَكَرَاتِ المَوْت.

ومَا يُؤخذُ أيضًا أنَّ النَّبي، صلّى الله عليه وسلّمَ، لَم يَسْأله لاعن أحوال صحَّته ولا عَن مآل أَهْله مِن بَعده ولا عَن غير ذلك من أمور العاجِلَة بل عَن دَخيلة ذَاته وحَقيقة إيمانه قَائلاً: “كيف تَجدكَ؟”. والوِجدان هو ما يَجد المرْءُ في باطنِهِ مِن مُستَقِرِّ العلوم وثابتِ الشعور حينَ يذهلُ عن كلّ شيْءٍ، آخرَ عَهده بالدنيا وأولَ عهده بالآخرة.

ولقد ألهمَ الله ذلكَ الصحابيَ الجليلَ جَوابَ المخلصينَ قائلاً: حالِي القلبي: رجَاءُ الله والخوف من الذنوب. هذا وموضوع الرجاء دَرَجَاتٌ متفاوتة فمن الناس مَن يَرجو الجَنّة، ومنهم مَن يَرجو رحمة الله، ومنهم -وهمُ الكمّل من الرّجَال- من يَرجو اللهَ ولا يَرغَب إلاَّ فيه.

وأما خَوف هذا الصحابيِّ فَلَم يَكُن من العذابِ بَل من الذّنوب التي ارتكبهَا، لأنَّ حُكمَ الخَوف يَختلف حسب الأحوال ففي حالِ الرخاء قد تزعُ الخشيَةُ من الآثام ولكن في حال الشدّة لا بدَّ مِن تغليب الرّجاء وتحسين الظنّ برحمة الله والتعلّق بكرمه عَمَلاً بالقول المأثور: “ينبغي أن يكونَ الفرحُ بالله أشدَّ منَ الخَوف منه”.

وأمَّا الجَواب المُحَمَّدي فكانَ الشفاء والبُشرى: “لَا يَجْتَمِعَانِ” ‏أَيْ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ" وهذا دليلٌ على اتّساع القلوب وإمكان الجمع فيها بَيْنَ أَعمال الرّوح على عكس الجوارح التي لا يمكن أن تقومَ بأكثر من طاعةٍ ظاهريَّةٍ في وقتٍ واحدٍ.

وأما حديثه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن القَلب في غَمْرة الوَفَاة فأظْهَرُ حجةٍ على أنّه هو مَدَار الأعمال الصالحة وبه تدرك أمثالُ هذه المقامات العَالية بعدَ تزكيته بتلاوة القرآن والأذكار.

وأما اختياره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِلَفظة “العبد” وعُدُولِه عَن كَلِمَتَيْ: المؤمن أو المُسلم فَمِن تمام تَواضعِ رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع ربّه في لحظات الرَّجَاء، ينبئُ عن صدق عبوديّته وتَرك الأمل فيما سوى الله، فالتجرّدِ الكلّي من الأعمال وإن صَلُحَت ومن الأقوال وإن حَسُنت ومن الأحوال وإن طابَت.

وأما قوله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، “في مثل هذا الموطن” فكِناية عن لَحظة مفارقة الدنيا والإقبال على الله، لَحظة سكرات الموت التي قال عنها الحقّ: “وَجَاءَت سكرةُ الموت بالحقّ ذلكَ ما كنتَ عنه تحيدُ”(ق. 19) حِين تصدق دَلائل الانتقال وتَتَحَقّق أمارات الارتحال. وقد جاءَ في “تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي”: “فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ” ‏أَيْ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ زَمَانُ سَكَرَاتِ الْمَوْت. وَمِثْلُهُ كُلُّ زَمَانٍ يُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا".

وما كانَ مِنَ الحبيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّمَ إلاَّ أنْ بشَّرَه بالقبول: فَمَن كان الرجاء قائِدَه وحسن الظنّ رائِده يُعطيه الله بكرمه ما يرجو ويؤمَنّه بالمغفرة ممَّا يَخَافُ.

فإذا كانَت أحوال هذا الصحابِيّ مُستغرقةً في الرجاء فإنَّ حالَ هاديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستغرقةٌ فِي الشوق إلى اللقاء وإيثاره على البقاء. فقد ورد عن الزّهري قالَ- كما ينقلُ ابنُ هشامٍ-: حدّثني أنس بن مالك:“لمَّا كانَ يوم الاثنين الذي قُبض فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى الناس وهُم يُصَلّونَ الصبح فَرُفِعَ السّترُ وفُتحَ البابُ، فخرجَ فكادَ المسلمونَ يُفْتَتَنونَ في صلاتهم برسول الله حينَ رأوه، فرحًا به، وتَفَرّجوا، فأشارَ إليهم أنِ اثبُتُوا على صلاتكم، قال: (أي أنس بن مالك) فتبسّمَ رسول الله لما رَأى من هَيئَتهم في صلاتهم، وما رَأيتُ رسولَ الله أحسنَ هيئةً منه في تلكَ الساعة (...) ثم رجعَ واضطجعَ في حِجر أم المؤمنينَ، السيدة عائشة رضيَ الله عنها، واستاكَ، قَالت: فوجدت رسول الله يَثقلُ في حجري، فَذهبتُ أنظرُ وجْهَه فإذا بَصرُه قَد شَخَصَ وهو يَقول: بَل الرفيقَ الأعلى من الجنّة. فقلت: خُيِّرتَ فاخْتَرتَ والذي بعثكَ بالحقّ [2]. فكانت آخر لحظاته الشريفة شوقًا إلى لقاء الله ورجاءً لمشاهدة جماله واختيارًا لِمَا عندَه. قَدِمَ على ربّه يحدوه الأملُ فِي عَظيم نَوالِه وَفقًا لما أَوصى قبل انتقاله بثلاثة أيامٍ – فيما يرويه عنه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما-:”لاَ يَموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسنُ الظَنَّ بالله عَزّ وجلَّ“. ومصداقًا للحديث القدسي:”أنا عندَ ظنّ عبدي وأنا معه حيث يذكرني".

وأما رجاء كبار الصحابة رضي الله عنهم فنكتفي فيه بما وردَ لدى القرطبي في تَفسيره: حُكِي أن الصحابة تذاكروا القرآن فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى: “قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ” (الإسراء:84) فإنّه لا يُشاكل بالعبد إلا العصيان، ولا يشاكِل بالرَبّ إلا الغفران. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى: “غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ”(غافر: 3) قدّم غفران الذنوب على قبول التوبة، وفي هذا بشارة للمؤمنين. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: قرأت جميع القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: “نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الحجر: 49).وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر:53).

وأما الرجاء عند العارفين فنذكر فيه ما رويَ عن عطاء الخرساني رضيَ الله عنه أنه كانَ يقولُ: أرحم ما يكون الربّ جلَّ وعلا بعبده إذا دخلَ في قبره وتَفَرَّقَ عَنه أهله وجيرانه ومَعارفه.

اللهمَّ قَوّ في رحمتكَ أملنا والرَّجاءَ، ونَوّر بالشوق إليك أفئدةً ومُهَجًا، وزدنا من معرفتكَ مَا به ترفعنا دَرَجًا بجاه من كانَ وجْهُه صُبحًا منبلجًا.

الشيخ محمد المنور المدني. الزاوية المدنية.

22 أوت 2011.


[1أخْرَجَه عبد بن حميد (ص 404 ، رقم 1370) ، والترمذي (3/311 ، رقم 983) ، قال : حسن غريب. والنسائي فى الكبرى (6/262 ، رقم 10901) ، وابن ماجه (2/1423 ، رقم 4261) ، وأبو يعلى (6/57 ، رقم 3303) ، والبيهقي فى شعب الإيمان (2/4 ، رقم 1002) ، والضياء (4/413 ، رقم 1587) وحكمه: حسن صحيحٌ.

[2سيرة ابن هشام، الجزء الرابع.




إرسال مشاركة

Facebook