آداب وسلوك

الانتصارُ للحَقِّ وأهله.

D 1 جانفي 2016     H 18:26     A المدني    


agrandir

نَعتَز بتقديم هذه الرسالة التي كتبها سيدي الشيخ محمد المدني، سنة 1927، أي قبل ثمانين عامًا تقريبا، ولكنها لم تشتهر بين الناس، وفيها يدافع عن التصوف وبعض مَبادئ الطريقة، والظاهر أنه كتبها بُعيدَ زيارة لمستغانم عند شيخه سيدي أحمد العلاوي. وثيقة تاريخية نادرة ولطيفة علمية رائعة.

1. وَرَدَ علينا هذا المقالُ من حاضرة تونس تَحت العُنوان أعلاه للعلاَّمة، صاحبِ التوقيع، نَنشره بمزيد الاعتناء.
العُمدَة المحتَرم، أخونا سيدي محمد محيي الدين مدير جريدة “البلاغ الجزائري” الغراء،
السلام، اللائق بمقامِكم الأسمى، عَليكم ورحمة الله وبركاته.

2. أما بعدُ، فإنَّا قد تَشَرَّفنا بمُطالعة جَريدتكم الغَرَّاء التي تَزَيَّنَتْ أعمِدُتها بالمَواضيع النافعة للأمراض القلبيَّة، كيفَ لا، وقَد وَقفتْ موقفَ الدفاعِ عن حَوزَة الدِّين وأهلِهِ الذين يَبتغون فَضلاً من الله، ويَرجون رَحمَتَه. وقَفَتْ مَوقفَ الخطيبِ البَليغ والواعظ النَّاصِح والمُرشد الأمين، خُصوصًا ما سَلَكته من الدفاع عن الصوفية والذاكرين الذين هم خُلاصَة الأمَّة الإسلامية، فَهو نِعمَ الصنيعُ المَشكور، والعَمل النافع المَحمودُ المَبرور.

3. ولذلكَ كَتَبتُ لكم هاته السطورَ راجياً من جَنابكم نَشرَها على صفحاتِ جَريدتكم الغَرَّاء، ولَكم منِّي جَميلُ الشُّكر ومِنَ الله عَظيمُ الأجرِ، فَقَد سَرَّني كثيراً غَيرَتُكم الدينيَّة، ومَحَبَّتكم في أهل: لا إلهَ إلاَّ الله، ولَقد عَهدنا فيكم حسنَ السيرة، وصفاءَ السريرة، ورسوخَ القَدَمِ في ما يُرضي اللهَ ورسولَه، بدون مُبالاةٍ بِقَول قائلٍ أو عَذل عاذلٍ، وثابتُ القَدَمِ لا تَثْني عَزيمَتَهُ كلَّ عَقَبَةٍ كؤود أو اعتراض المُنافق الحَسود، والله وليُّ التوفيق.

4. أقول: كثيرًا ما يَسأل السائل سؤالَ جِدالٍ هل كان النَّبيءُ، صلى الله عليه وسلم، يُعطي الطَّريقَ؟

5. وهذا سؤالٌ يَنشأ عن جَهلٍ بطريق القوم وتَصوِّرها على خلافِ ما هي عَلَيهِ، إذ أنَّ غالبَ الناس لا يَتَصَوَّر من الطريق إلاَّ كَونها عبارةً عن جَماعةٍ من الناس يَجتمعون على أغراضٍ مُختلفة، فَتارَةً لأكل الطعام وامتلاء بطونِهم، وهَؤلاء يَصدق عليهم قولُه : “مَن جَعَلَ هِمَّته في بَطنه، فَقيمتُه عند الله ما يَخرجُ منها”. وتارَةً يَجتمعون لأكْل السُّموم، وطَعْن أبْدانِهم وبُطونِهم وأفواهِهم بالخَناجر والسيوفِ، ولَعْق المَناجل النَّاريَّة، وهَؤلاء أسوأ حالاً من الأولينَ، وهم داخلونَ تَحتَ النَّهْي بقوله تعالى: “وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”، حَسبما يَدلُّ عَليه عمومُ اللفظِ.

6. ولا شَكَّ أنَّ مَن يَتَصَوَّر أنَّ الطريقَ عِبارة عن هاته الأفعال له العذرُ إنْ أنكَرَها، إن كانت فيه أهليةٌ للإرشاد والنَّهي عَن المُنكر، ويَعلَمُ ويَعمل، وإلا اشتغالُه بعيوبه أولى.

7. ونَحن مِمن يشاركه في الانكار على شرط أن نَسيرَ على خَطٍّ مُستقيمٍ في الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، خَطِّ الرِّفق بالمَأمور، والمَنهي، وإخلاص الضمير في إرشادِهِ.

8. أمَّا مَن يَفْهَم حقيقةَ الطريق ويَتَصَوَّرها على ما هي عَلَيْه من كونها عبارةً عَن أقوال النبيءٍ، صَلَّى الله عليه وسلم، وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ وإرشادِ النَّاسِ إلى ما يَنفَعهم في دينِهِم ودُنياهم، والتخلِّي عن الرذائل المَنهيِّ عَنها شرْعاً، والتحلِّي بالفَضائلِ المَأمور بها شَرْعًا، والتَّزَيِّن بمكارم الأخلاق، كالزهد والوَرَعِ، والتفرُّغ للعبادة لتصفية القلب من غير الله تعالى، ومُشاهَدَةِ نوره وجَماله المُتجلي به، وهو الغايَة المَقصودَة والضالَّة المَنشودَة.

9. وهذا هو الأمر الذي عَلِمناه من الأستاذ العَلاوي، رَضيَ الله عنه، مُنذ عَرَفناه، وعَلِمناه أيضاً من أتباعِهِ الذين عاشَرناهم وجالَسناهم المدةَ الطويلة، فَمن كانَ يَعلم أنَّ الطريقَ عبارة عَمَّا ذُكِرَ فهل يمكنه أن يَنطقَ بِبِنتِ شَفَةٍ لإنكارهِ؟

10. كلاَّ، إلا إذا كانَ مَخذولاً، مَطموسَ البصيرة، حَفظنَا الله وإياكم، ساعيًا في هَدم قواعد الدين، فَتَراه يُنكرُ على الزوايا، ومَقصَدُهُ الترقِّي إلى غَلق المَساجد، ويُنكر الاجتماعَ على ذِكرِ الله، ومَقْصَدهُ الانكارُ على الاجتماع للصلاة.

11. وقَد وُجِدَت في هاته الأيام الأخيرة، شِرْذِمَةٌ على هذا النَّمَط، وَلَدَتهم الأيام، “والليالي حُبالى يَلِدنَ كلَّ عَجيبةٍ”، غَرَّتهم الحياة الدنيا، وغَرَّهم بالله الغَرورُ، فَأخذوا يُخَرِّبون بيوتَهم بأيديهم، ويَسعَوْنَ في الأرض فَساداً، ويريدون أن تضلُّوا السَّبيلَ. يَزعمون أنَّ التَّمسكَ بالدِّينِ، والاشتغالَ بالنوافل، عائق عَظيمٌ وعَثرة كبيرةٌ في سبيل الرقيِّ العصري، وهَذا سَيلهم العرم، ولَكنه لا يحمل إلاَّ غُثاءً، فإنَّ اللهَ مُتِمٌّ نورَهُ ولو كَرهَ المُتَمرِّدونَ.

12. وقَد سَرى داؤُهُم وتَعَدَّى إلى طائفةٍ مِمَن يَنتَسِبُ إلى العِلْم، فَتَراهم يَرتَشِفونَ مِن مَنهَل الأوَّلين، ولكنَّهم “سُقوا ماءً حَميمًا فَقَطَّعَ أمعاءَهُمْ”، وقَطَعَهُمْ عَن الانتفاع بِنَوافِلِ الخَيْر، يَقومون مُنكرينَ عَلى الذاكرين ما يفعلونَه من الاجتماع عَلى ذِكْر كَلِمَة الإخْلاص، المَأمورِ شَرعاً بالإكثارِ مِن ذِكْرِها، ويُنكرونَ الاهتزازَ والاستهتارَ بالذِّكْر، والسماعَ المُحرِّكَ للأحوال السَّنيَّة، والمُشَوِّقَ للمَقامات الربَّانِيَّة.

13. وقد تَكَلَّم في هاته النازلة العلماءُ العامِلونَ من السَّلَفِ والخَلَفِ، وجُلُّهم أجازوها أو نَدَبَوها، ومنهم مَن أفرَدَها بالتأليف، كَأخِ حُجَّة الاسلام الشهاب أحمد وكتابه مَطبوعٌ سَمَّاه: “الإلْمَاعُ في تَكفير مَن يُحَرِّم السَّمَاع”، وحافظ الأمَّةِ، الإمام السيوطي، وأبي المَواهب التونسي، والشَّيخ المَكُودي له تأليف سَمَّاهُ: “الإرْشَادُ والتِّبيان في رَدِّ ما أنْكَرَه الرؤساء من أهل تِطوان”، وغَيْر هَؤلاء، رَضيَ الله عن جَميعهم، فَلْيُطالِعْ مُؤَلَّفاتِهِمْ مَن أرادَ الوقوفَ عَلَيْها، فَفيها شِفاءٌ لما في الصدور.

14. ومَا أنْكَرَ العلماء إلا الاهتزازَ الذي يُخالطه تَخَنَّثٌ وتَكَسُّرٌ وتَذَلُّلٌ وتَبَخترٌ، وهو مِن أفْعال الفُسَّاق مِن الذُّكور والإناثِ، والجميعُ لا مُروءَةَ لهم ولا خَلاقٌ، وكَذلكَ لم ينكروا من السماع إلا ما اشتمل على ذِكر القُدودِ والنُّهود، والعُيونِ والخُدود، ومن المعلوم أنَّ كِلَيهما يُحَرِّكُ الشَّهَوات النفسانيَّة.

15. وإنَّنا نُنكر هَذَيْن النوعَيْن، تَبَعًا لِمَصابيح الشريعة المُطَهَّرَة، رَضيَ الله عنهم، ولا نُنْكر ما يُصَدِّر به القوم قصائدَهم ومُوَشَّحاتِهم من التَغَزُّلِ كَقول سلطان العاشقين، شَرف الدين ابنِ الفارض، رَضيَ الله عنه :
ما بَيْنَ الأحْداق والمُهَجِ أنَا القَتيل بلا إثمٍ ولا حَرَجٍ

16. فإنَّ مثلَ ذلكَ واردٌ في كلامِ السَّلف من الصَّحابَةِ والأتباع، من ذلك قَصيدة كَعبٍ بنِ زُهير، رَضيَ الله عَنهُ، التي مَطْلَعُها :
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتْبولٌ مُتَيَّمٌ إثرَها لَم يُفْدَ مَكبول

17. ولا يَخفى ما فيها من التَغَزُّلِ، وقد أنْشَدها بَينَ يَدَيْ النَّبِئ، صَلَّى الله عليه وسلم، فَعَفا عَنه، وجَزاه عَلَيها بِبُردَتِه، وما ذلك إلا لاستجلاب القلوب، وتَوجيهها نَحوَ المُتَكَلِّم لينشدَ أصفاها لما يلقى إليها من الحِكَم والمعارف، وما يَعود عَلَيها بالصلاح.

18. وقَد يسأل البعض عن تَوظيف عَدَدٍ مَحصور يَذكره الإنسان بمواظبةٍ. فَنقول: ما وَقع ذلك من علماء القوم إلا لاستنادهم إلى أدلة قَطعيَّةٍ، فَقَد جاء عن صَدْرِ الشَّريعَةِ، صلَّى الله عليه وسلم، الإذنُ في ذِكر عَدَدٍ مَحصورٍ، والترغيب في المواظبة عَلَيهِ، من ذلك ما رواه مالكٌ، رَضيَ الله عنه، في مُوَطَّأهِ “: أنَّ رَسول الله، صَلَّى الله عليه وسلم قال:” مَن قالَ: لا إلاه إلاّ الله وحدَهُ لا شريك له الملك و له الحمد وهو الى كلِّ شَيءٍ قَدير“، في كلِّ يَومٍ مئةَ مَرَّةٍ، كَانت لَه عَدْل عَشر رقابٍ، وكُتِبَت له مئة حَسَنَةٍ، ومُحِيتْ عَنه مِئَةُ سيئةٍ، وكانت له حرزًا من الشيطان يَومَه ذلك حتى يمسي، ولَم يَأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به إلا أحدٌ عَمل أكثر من ذلك”.

19. واعلمْ أنَّ طَريقَ التصوُّفِ لم يزل عند سلف الأمة وكِبارِها من الصَّحابَة والتابعين ومَنْ بَعدَهم طريقَة الحق والهداية. ولَم يَتَمَيَّز الصوفيُّ مِن غيره إلا في القرن الثاني بَعدَ الهجرة، عندما فَشا الإقبال على الدنيا وجَنَحَ النَّاس لِمُخالَطَتِها، فَاخْتُصَّ المُقبلون على العِبادَة باسمِ الصُّوفيَّة والمُتَصَوِّفَة"، كما ذَكَرَه العلاَّمة ابن خلدون في تاريخه.

20. وقد طالَ الكَلامُ عَلى الطريقِ، وأنْكرَ منها ما أحدَثَهُ المُبتَدعَةُ الذين غَرَّهم الجهلُ، وعَدم العلم بسماحة الطريق المستقيم، الذي كان يُرشدُ إلَيهِ سَيِّدُ الوجود، صلَّى الله عليه وسلم، فأبعدَهُم الجَهلُ عَن الطريق، بُعْدَ الثّريَّا عَن ضَعيفِ البَصر.

21. كما أبعدَ الجهلُ بالطَّريق أيضًا هاته الطائفةَ الحديثةَ، وأنزَلَهم إلَى الحَضيض الأسفل، فارتَفَعَ الطريقُ عَنهم ارتفاعَ الشَّمس عَن الخُفَّاشِ، فَأنكروا نورَهُم لانطماس بَصائِرِهم، وضَعف إيمانِهِمْ، حَفظَ الله الجميعَ. فالأولون لِجَهلهم حادوا عن طَريقِ الرَّشاد، والآخرون لِتَعَمُّقِهم أدبروا عمَّا يَنفَعهم يومَ التَّناد، وكلاهما يُنادي من مكانٍ بعيدٍ، والطَّريق المستقيم لم يَزل “لَبَناً خالصًا سائغًا للشاربينَ”، لا يُغَيِّره المُحدَثونَ، ولا يَطْمس أعلامَهُ المُنكِرون.

22. وأهله السالكون منهجَه لا يزالونَ كَهفًا رفيعًا وحصنًا منيعًا يرشدون كل سائرٍ ويَعِظون كلَّ منكر جائرٍ، لكنَّ الله يَهدي مَن يشاء من عباده، “ولوشاءَ ربك لَهدى الناس جميعًا” .

23. ولربما يَسأل سائلٌ عن كثرة اختلاف الناس على القوم، فأقول: إنَّ الاختلاف من سَجايا البشر، فَلا يكادون يجتمعون على اعتقادٍ أو مَذهبٍ أو رَجلٍ ولو مَلَكَ زمامَ العلوم، وركب ذِرْوَتَها، ولا يَخفى ما جَرى لأصل الوجود، صلى الله عليه وسلَّم، ثم للخلفاء الراشدين، مِن بَعْدِه، رَضيَ الله عنهم، لا سيما الخَليفة الثالث سيدنا عثمان، رَضيَ الله عنه، فَقَد قُتِلَ والمُصْحَفُ بَين يَدَيْهِ. والخليفة الرابع، باب مدينة العلم، سيدنا علي بن ابي طالبٍ، رَضيَ الله عنه، فقد قُتِلَ وهو خَارجٌ للصلاة.

24. وقد سأل إمامُنا مَالكٌ أحَدَ تلامذته: ما يَقول الناس فيَّ؟ فقال له: الناس مُختلفونَ بَينَ مُحبٍّ مادحٍ، ومُبغِضٍ قادِحٍ. فَقال الإمامُ، رَضي الله عنه: لا يَزال الرجلُ بخيرٍ ما اختلفت عليه الألسنُ. فلا تَعجَبْ من الاختلاف إذا علمنا أنَّ الناسَ لا يزالون مختلفينَ".

25. كَتَبتُ هذا لِيَرى القارئ مكانَةَ التَّصوف عند السلف الصالح أهل الدين، أثبتها المؤرخون خصوصًا، حجة التاريخ العلامة ابن خلدون فقال لمن يتجرأ على التَّصوف: إنَّه مَذهب الصَّحابَة والتابعين الذين هم قدوة العالم أجْمَع، فَقَد كانَ التصوف عامًا فيهم، لا عَلى النَّمط الذي يَعتَقِده المتبجح الثرثارٌ، فإنَّ غَالبًا هؤلاء المتشردين يعتقدون أنَّ التصوف هو ما يرونه من أفعالٍ المترامين، فَصَوَّروا واعتقدوا أنَّ التصوفَ تلك الأفعال وأولئكَ الأناس، ثمَّ أخذوا ينكرونه بكلِ لِسانٍ، يَرمونَه بالزور والبُهتان، فَينتقصونَ التصوُّفَ والصوفيةَ، ويُلصقونَ بهم كلَّ رذيلةٍ، حَسب ما سولت لهم أنفسهم. وهذا هو الجهل المُرَكَّب الذي هو تَصَوُّر الأمر على خلافِ ما هو بِهِ.

26. وقد زادَ هؤلاء على ذلكَ لطخةً كُبرى، وزَلَّةً أخرى وهي الحُكم على ذلك الأمر، فَقد تَصوَّروا التصوفَ والصوفيَّةَ على خلاف الحقيقة، ثمَّ حَكموا عليهم بما شاءَ لَهم الهوى، فَلم نَدرِ ما نُسَمِّي جَهلَهم، وليس عِندي دواءٌ لإصلاح أحوالهم إلا إرشادُهم ونُصحُهم وحَثُّهم على ممارسة علوم دينهم، وتاريخ الإسلام، ورِجال الإسلام، الذين كانوا قدوةً ومن اقتدى بهم اهتدى، بِشَهادَة النبي، صَلَّى الله عليه وسلم: “أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم”. وقد وردَ أيضا في العلماء قولهُ، صلى الله عليه وسلم: “العُلَماءُ وَرَثَةُ الأنبياء”، وما مِن مُؤَلِّف من علماء الإسلام إلا وانْتَسَبَ لأحدٍ من مشائخ التربية والتَرقية وتَصَوَّفَ، إمَّا في أوَّلِ أمْرِه، أو في آخره، وخُذ في يدكَ كتابَ الشيخ خالدٍ، إن كنت من المبتدئين، فقد ذكر في خطبته أنَّ الذي حمله على ذلك الشرح الذي انتفعَ به المسلمونَ في مشارق الأرض ومَغاربِها إنَّما هو شَيخُه شيخُ الوَقت والطريقة، أو خُذْ في يدكَ الشيخ عبد الباقي الزَّرقاني على خليلٍ، فَإنك تَراه ذَكَرَ في “باب الصيام” : “أنَّ شيخ الطريق مُنَزَّلٌ منزلةَ الأب في امتثال أمره بالإفطار في النوافل بخلاف شيخ التعليم”. وكذلك الكتب المتوسِّطَة، وكذلك العلماء على اختلاف طبقاتهم ومَشارِبهم، فَما من عالمٍ إلا وقَد جَعَلَ سَنَدًا يوصله إلى سلسلة القوم ليذوق من علمهم ومَشربهم حتى قال حجة الإسلام الغزالي، رضي الله عنه، :“إذا وَجَدتم الرجلَ قَد طَبَّقَ الأرضَ عِلمًا، ولم يَكن لَهُ سَنَدٌ يُوصله إلى سِلسلة القوم فهو عقيمٌ، لم يَكن يلقي الحكمَةَ”.

27. ولمَّا كانَ كلُّ عامٍ لا بد وأن يَشذَّ منه أفرادٌ، والقاعدة أنَّ كلَّ عامٍ مَخصوص، شَذَّ في كل زمانٍ ومكانٍ أفرادٌ استولى عليهم التطرُّفُ، واستحوذ عليهم الاستخفاف، وضعف الإيمانِ، وقاموا يُنكرون التَّصوُّفَ، وعَمى البصيرة، والعِياذُ بالله، يَقضي على صاحبه بالوبَال، كما أنَّ فَقدَ البَصَر يَجعل الموجودَ في حيز المحال، فَإذا فقد البصرُ، انعدَمَ من صاحبه إدراكُ ما تَتعلق به تلك الحاسة، وإذا طُمست البصيرة خَتَم اللهُ على قلب صاحِبها، فينكر ما هو مَعلومٌ لَدى الخاصِّ والعَامِّ.

28. وإنِّي أقولُ ما أجْمَلَ وَأعْظَمَ عَقيدَةَ المُؤمنينَ في أسْلافِهِمْ، وفي عَقيدَةِ أسْلافِهِمْ. تلكَ العَقيدَةُ الصوفيَّةُ التي هي التحَقُّقُ بِوَحدانيَّةِ الحَقِّ، وفِعلُ ما أمَرَ بِه الشَّارِعُ، وتَركُ ما نَهَى عَنهُ. وما أجْمَلَ التَحَلِّي والاتِّصافَ بتلكَ العَقيدة وتلكَ الأفعالِ الشَّرعيةِ، التي تُزَيِّنُ الإنسانيَّةَ وتُكسبهَا شَرَفًا.

29. نَسألُ الباري، جَلَّ شَأنهُ، أنْ يَجعَلَنا وإيَّاكمْ مِن المُتَّقينَ، بِحرمَة سَيِّد الأولين والآخرِينَ، صَلَّى الله عليه وسلم، وعَلى آله وصَحبهِ أجْمعينَ.

30. هاته نُبذةٌ تتعلق بالتصوف كتبتها لكم رجاء أن تشفي بها صدور قومٍ مؤمنين . وأمَّا ما يَتَعَلق بحَضرة أستاذنا الأبرِّ، وَوَليِّنا الأشهَر، سَيِّدنا ومَولانا، أحمد العلاوي المستغانمي، رضي الله عنه، فإنِّي كنتُ كَتَبتُ نُبذةً من ترجمته في كتابنا “برهان الذاكرين”، الذي لَم يَبرز إلى عَالم المَطبوعات لهذا الحد، وقَد كنت استغنيتُ عَن نَشر فضائل الأستاذ بذلك، وبما نَظَّم في مدحه من القصائد، وزادَني على ذلك ما كنت طالعته من كتاب “النجم الثريا في المآثر العلاوية” وكتاب “إرشاد الراغبين”، فَقَد رأيت جملةً مِن تَرجمة الأستاذ الإمام، يَقف بها القارئ على بَعضٍ من خَصائله، ثمَّ زادَني استغناءً أيضا ما طالعته من كتاب “الشهائد والفتاوي فيما صح لدى العلماء من أمر الشيخ العلاوي”، فَرَأيتُ من شَهادات العلماء الفحول الذين لهم قَدَمٌ راسخة في المعقول والمنقول من أهل القطر الجزائري، الذين عَلَيهم الاعتمادُ في الدين في ذلك القُطر، وكذلك بعض من علماء تونس وعلماء المغرب الاقصى الذي تُعتمد فَتواتهم وشَهاداتهم.

31. وكنتُ أظُنُّ أنَّ الغُبارَ قد نَفُضَ عن أعين المُنكرين، وانجلى أمر الإمامِ العَلاوي لَدى كلِّ فَردٍ فَردٍ، غَير أني غفلت عن تلك القاعدة: “كلُّ عَامٍ مَخصوصٍ”، فإذا اعترفت الأمَّة الجَزائرية، أو نَقول: سَتعترف الأمة الإسلامية بأجمعها بفضل الإمام العَلاوي، فلا بدَّ مِن مُتَشَرِّدينَ، يَغلبهم الحَسَد تارَةً، وعَمى البصيرة أخرى، يشذون عن الأستاذ الإمام، فَيقومون لمعاداته، ولو قرأت عليهم التوراة والإنجيل، يَكونونَ مَظهرًا لحرب الله تعالى لقوله في بعض كلامه :“مَن عَادى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذنْتُهُ بِحَربٍ”.

32. ولَيس مقصودي بهاته السطور إقناعهم أو إخضاعهم حتى يعترفوا بفضل الامام العلاوي أو بفضل طريق التصوف الذي سلكه. كَلاًّ. إنَّما كَتَبتُ هذا خيفَةَ أن يَسريَ داؤُهم إلى ضُعَفاء العقول، أو الى الأذهان الخالية، فَتَعتَقدَ في الإمام العَلاوي خلافَ الحقيقة، إذ المُتَشَرِّدونَ في كلِّ مَكانٍ وزمان يَدَّعون الإصلاح، فَيروج على المُغَفَّلين ما يَحويه إصلاحهم من الفساد، والأشياء كامِنَةٌ في أضْدادِها، ومِن قول بعض الحكماء : “جَراثيمُ الفَساد في بذور الإصلاح”، فَكَتبت هاته السطورَ لهذا السبب والله وَليُّ التوفيق و الهِدايَة.

33. هَذا وقد كان اجتماعي بالإمام العَلاوي في عامِ ثَمانيةٍ وعشرينَ وثلاثمائة وألفٍ. ولازَمت صُحبَتَهُ لهذا الحينِ، وفي بَحر هاته المدة، زرته مِرارًا ببلده مستغانمَ وأقمتُ عنده مَرَّةً ثلاثَةَ عَشرَ شَهرًا متواليةَ، رَأيتهُ فيها مثالَ الاقتداء والاهتداء، سائرًا على ما كان عليه السَّلف الصَّالِحُ، رَضيَ الله عنهم. وما رَأيتُهُ منه في أوَّل زِيارَتي لِجَنابِهِ من إرشادِ عباد الله الى ما يَنفعهم في ظاهرهم وباطِنِهم هو الذي شاهدته منه في جميع زياراتي لحضرته. وكلُّ مَن جَالَسَه أو صاحَبَه يَرى ما رأيت فَيقول ما قلتُ. اه .

مُحَمَّد المدني القصيبي,
البلاغ، عدد 36، 12 ربيع الأول 1346، 9-9- 1927.

تقديم وتحقيق، ن. المدني
الزاوية المدنية، 31 ديسمبر 2015.